محمد عز الدين التازي

   

الصفحة الرئيسية

 

                                              بوابات العالم

تجربتي

في كتابة القصة والرواية

 

المحتويات

تقديم:

ـ كتابة الرواية تضاعف من العيش في الأماكن والأزمنة.

ـ شجرة الرواية.

ـ الكتابة الروائية والتعدد.

ـ سفر الكتابة.

ـ فاس في تجربتي الروائية:

1 ـ وكأني فاس في انحدارها نحو المغيب.

2 ـ مرآى فاس في مرايا الكتابة.

3 ـ فاس المستعادة.

4 ـ فاس ربيع الذاكرة.

5 ـ فاس وطن الدهشات الأولى.

ـ طنجة في تجربتي الروائية:

1 ـ مغارات الكتابة.

2 ـ من مغارات الدم، إلى مغارات الكتابة: نص على نص.

3 ـ لطنجة أبهاؤها.

ـ "رحيل البحر": عن معنى الكتابة وسحر المكان الروائي.

ـ حول الرافد الفلسفي لكتابة الرواية.

ـ ملاذ الكتابة.

ـ سيزيف روائيا: أربع ملاحظات حول قراءة الرواية وكتابتها.

ـ الإقامة في الكتابة.

ـ الإبداع والهجرة: أي ممكن لعلاقة ممكنة؟

ـ في رواية الفتيان: عيوشة امرأة الشمس والقمر.

ـ القصة القصيرة  والرواية: تكامل بين زمنين إبداعيين.

ـ حارس بستان الحكايا، أو رَفَّاء الثياب البلبية.

ـ القصة القصيرة: التجسيد الجمالي وتشخيص الواقع.

ـ تجربتي في القصة القصيرة مع القراءة والتلقي.

 

تقديم

 

هذه مجموعة من الشهادات التي قدمتها حول تجربتي في الكتابة في كثير من المناسبات.

وعلى تفرق تلك المناسبات، فقد أتاحت لي الفرصة لتأمل تجربة الكتابة ومساءلتها والنظر إلى مكوناتها الخطابية وعلاقتها بالإنتاج والتلقي.

تحاول هذه الشهادات النظر إلى فعل الكتابة من الخارج، أي وهو يصبح موضوعا للتأمل والمساءلة والبوح، بعد المسافة الزمنية التي تكون قد تحققت بين الكتابة والنشر، وهي مسافة ضرورية لوقفات كهذه، تسمح بالمساءلة والتعليق على التجربة والتحشية على بعض النصوص، أو التعرض لسيرة الكتابة بما هي سيرة تتعالق مع سيرة الكاتب، أو هي سيرة نصوص  تبدأ من لحظاتها الجنينية الأولى، وهي مجرد انطباع أو فكرة في الذهن، أو رعشات للقلم على الورق لم تجد معناها بعد، إلى أن تصبح وجودا نصيا يتخلخل بوجود آخر لذاته من خلال الكتابة والمحو، وإلى أن تظهر كثير من القضايا المتعلقة بالناشر، وبالقارئ، وبالناقد، وبالمؤسسة الثقافية.

تأملات من هذا القبيل، لا يكون لها مجرد تقريب هموم الكتابة ومشاغلها من الجمهور، في المناسبات التي قدمت فيها شهادات في بعض المحافل، ولكن يكون لها ـ إضافة إلى ذلك ـ نوع من الحافز على تأمل آخر هو تأمل أفق تجربة الكتابة ومساراتها واشتغالها على التنويع الأدبي للأشكال، أي بما يعني تنظيرا يصاحب ممارسة الكتابة، ويبحث في طرائق تشكلها وفي تجديد موضوعاتها وفي اندراجها في استراتيجية أو استراتيجيات للاشتغال الأدبي. فلم يكن الأمر مجرد وقوف عند عمل صادر قصد جعله موضوعا للحوار المباشر مع القراء والمهتمين، بل إن هذا العمل يصبح بعد تأمله منفتحا لمسار تجدد من خلاله الكتابة أدواتها وتقنياتها ونظرتها إلى العالم. وما كان القصد في اللقاءات المباشرة مع الجمهور، والتي قدمت فيها تجربتي، هو شرح العمل، أو تلخصيه أو تقديم موضوعه، فذلك حتما لا يفيد في شيء، ما دام لا يغني عن القراءة التي هي قراءات ربما كانت تتبدل مفاتيحها من وقت لآخر. كما لم يكن القصد هو الدفاع عن العمل لأنه ليس متهما بجريرة من الجرائر. بل كان القصد هو أن يتحول الكاتب إلى قارئ لعمله، يسائله كما يسائله الآخرون، يعلق عليه، يربط بينه وبين تجارب أو أعمال أخرى تتقاطع معه أو تلتقي أو تتباين، وهي مناسبة للكاتب لكي يجد نفسه قارئا لعمله وسط جمهرة من القراء، على اختلاف أنواع قراءتهم ومواقعها، ولذلك يحضر نوع من التجرد النسبي لصاحب العمل عن عمله، والنظر إليه نظرة فاحصة ومتأملة، تعيد للكتابة خصوبتها كما تعيد للقراءة بهاءها.

وأحيانا فهذه الشهادات قد حاولت أن ترفع اللبس عن قضايا الكتابة، كالمفارقة بين الشخص والشخصية، والمفارقة بين الذات الكاتبة والذات النصية، وتأمل ماهية الكاتب والكتابة في زمن الخسارات، وكيف يمكن للواقعي أن يحل في الأسطوري، لا كهروب من الواقع ولكن كمحاولة لفهم العالم من خلال المنظومات الكبرى التي انبنت على المشترك الإنساني.

ما معنى أن نكتب الآن، وأن نُقَرِّبَ الكتابة والقراءة من الناس، بكل ما تتضمنه من واقع وتخييل، حتى ونحن لا نتوفر إلا على إمكانيات بسيطة لهذا التقريب؟

وما معنى أن تصبح الكتابة بالنسبة للكاتب رهانا على وجود أعمق وأكثر قيمة من الوجود في سطحيته ومبتذله وغبائه؟

وما معنى تمثل الكتابة للعالم، وكيف تتمثله؟

هذه المعاني وغيرها، هي موضوع لأسئلة تعالجها الكتابة نفسها بطرائقها الخاصة، كما يعالجها الكاتب وهو يقف أمام مرايا الكتابة العاكسة لعوالمها المحيرة، الغنية بالشخصيات والتفاصيل، كما يقف الكاتب أمام مرايا القراء، ومرايا الحاضرين لتقدم هذه الشهادات إليهم.

الهوامش والتعليقات على النصوص والتحشيات حولها قد تكون كذبا آخر كما هو كذب تلك النصوص. والكاتب من شأنه أن يتجشم عناء هذا الكذب المضاعف، في كتابة نصوصه وفي الشهادة على ما كتب، أما الناقد فهو كاتب آخر، ربما كان من شأنه أن يجد المفتاح السحري في هذه الشهادات، أو يرمي بها في سلة المهملات، وهو يبحث عن المفتاح.

 

كتابة الرواية تضاعف من العيش

في الأماكن والأزمنة

 

أولا

-1-

ما هي الرواية؟

وهل ما كتبته من أعمال أسميتها روايات، هو انسجام مع ما يمكن أن يتشكل منه جنس الرواية من حدود.

أفهم الكتابة الروائية على أنها كتابة مفتوحة على الواقع والتخييل، بكل ممكناتهما وطاقاتهما في خلق العوالم. لكن العلاقة التي تؤسسها الرواية بين الواقع والتخييل هي علاقة لا تحيل إلا على واقعها ككتابة، أي تشكيلها لملامحه وبنائه لعوالمه ونسجها لتفاصيله وتوتراته وقدراته على تدميره والسخرية منه حتى وهي توهم بواقعيته، لأن مهمتها هي البناء والتدمير، وفي ذلك تمارس التعبير عن رؤيتها للواقع، وعن متخيلها الذي هو استحضار لأحداث وشخصيات من عالم الأحلام والاستيهامات.

إن مستويات الحكي، قد يكون لبعضها منطق للحكاية ولكن بعضها الأخر يسعى لتكسير ذلك المنطق، وحيث لا مبتغى للحكاية وهي تسرد غير اللعب الذي يوسع من عالمها ويربك مساراتها ويبنيها على غير ما هو جاهز من أنماط البناء، لا ليزرع في ثناياها المفاجآت، كما هو حال الرواية البوليسية أو الرواية القائمة على التشويق، ولكن ليجعل منها برمتها مفاجأة، لأنها كشف واكتشاف.

الرواية ليست محكيا يقوم على سرد الوقائع وحسب، فهي لا تفعل ذلك إلا لكي تجعل من تلك الوقائع مساحة للتخييل الذي يضفي على الواقع واقعية أكثر من واقعيته، بما تتناوله من أحداث وقائع، وما تخصه من أوضاع بشرية وتحولات مجتمعية وطقوس وعادات ورموز.

لكن الرواية تُمَزِّقُ غشاوة الواقع وجاهزيته باستحضار أزمنة تقع خارج زمنه الخاص، وأمكنة لها سريتها وسحرها، وشخصيات من عوالم تغريبية لها قلق الأحلام والكوابيس والرؤى العجيبة، وهو ما يوسع من قاعدة المحكي في الرواية، ويفتح أبنيتها على الممكنات التي تخلقها الكتابة نفسها، بدهشة الكشف والاكتشاف، وحيث لا يوجد العالم جاهزا في الحكاية، بل إنه يتكون ويتشكل  وهو حامل للتصدع والفراغات.

بين رواية تقدم العالم كما هو، أي كمعطى جاهز، ورواية تبني عالما من التعدد والتنويع، يتبدى للمتأمل في هذين النوعين من الكتابة الروائية، أنه أمام شكل تقليدي للكتابة وآخر حداثي، فالأول سكوني والثاني دينامي:

ـ الأول يحكي الحكاية ليوهم بواقعيتها.

ـ والثاني يكسر الإيهام بالواقع ويجعل من الحكاية ذريعة لارتياد عوالم الممكنة وتفجير خطية الزمن وتناسل الفضاء، ومن ثم فهي تبني شكلا يبحث عن الشكل من خلال مغامرة التأليف بين المواد ومغامرة تطويع اللغة (اللغات) وردم الهوة بين الواقع وأسطورة الواقع.

ليس ثمة حد فاصل بين رواية تقليدية وأخرى حداثية إلا من حيث تلجأ الرواية الحداثية إلى التشكيل والتنويع، وهما مقومان يتجددان باستمرار، في أوضاع لا نهائية تستمد ديناميتها من استراتيجية الأشكال.

من هنا، فالرواية الحداثية لا تحكى شفويا إلا بما يضعف من خواصها الكتابية في اللغة والتشكيل، بينما الرواية التقليدية يمكن أن تحكى شفويا لأن قوامها هو الحكاية، وسلطتها محدودة في وضعية السارد ودوره في خلق الانسجام بين الشخصيات وبين زمنها وبين مسرح الأحداث.

الرواية التي تنحو منحى حداثيا تلجأ في معماريتها إلى اعتماد العناصر المتباينة (شخصية تراثية وأخرى تاريخية وأخرى ورقية /مكان جغرافي ومكان أسطوري /زمن للحلم وأخر للمعيش...)، فتحتاج إلى انسجام من آخر بين هذه المكونات. الجمالية هنا تعتمد على التأليف الذي هو فعل للكتابة، يتجاوز سمة التراكم، إلى سمة إشاعة خيوط لا مرئية للنسيج، يدركها القارئ من خلال طبقات النص ومعنى معناه وتشابك أبعاده ومكوناته.

 

_ 2 _

أعرف أن الكتابة لا تقدم حلولا لمعضلات اجتماعية ولكنها قد تكشف عن تلك المعضلات، وبما هي قلق يضاهي أو يضاعف من قلق الحياة.

أصبحت أعيش حياتي مضاعفة، بين عيش عادي كالذي يحياه الآخرون، وعيش أكثر أهمية، وهو ما راهنت على أن يكون أكثر اكتشافا وتجلية للوقائع والأوهام والأحلام، أكثر كشفا ودهشة واختراقا لسطوح الأشياء و المبتذل من تشكلات الواقع والبحت عن الاستثنائي والخصوصي الدال والرامز فيه، وما كان يمكن لذلك أن يتحقق دون متابعة يومية للتحولات التي يعرفها الواقع، ورصد لمكوناته السياسية والاجتماعية والثقافية.

بهذه المتابعة الممهورة بالقلق، تكون الذات الكاتبة مرصدا لتحولات الواقع و للمرئيات والمسموعات والمقروءات، أي أن المرئي والمُشاهد والمكتوب، كنصوص ثقافية، سواء كانت تنتمي إلى الثقافة الشعبية أو إلى الثقافة العالمة، هي العناصر الأكثر تغذية واستحضارا للمواد التي تتألف منها الرواية، فضلا عن تجارب المعيش التي تتحول إلى جراح محفورة في ذاكرة تستعيد النسيان.

الذات الكاتبة تتحرر في الكتابة، وتصبح لها سلطتها على التقاط تفاصيل اليوم، وتبئير الصور في الذاكرة، والمزج بين الشعري والنثري في الرواية، وتقديم كل هذه الممكنات والمدخرات للشخصيات الروائية، حتى تستقل بنفسها وبمصائرها وبنضرتها إلى العالم، وحتى تتغاير،وتتنوع وتتعدد.

تعلمت كيف أبني الشخصيات باستقلاليتها عني، ودون أن تحمل أفكاري أو مواقفي أو نظرة محدودة للحياة، بل منها تعلمت أن أعدد نظري للمواقف ولأنماط العيش ولتفاصيل الواقع وللغات ولتداخل الوقائع بالرموز والأساطير، إيمانا مني بأن المغرب متعدد في الثقافات واللغات، ولابد من التعايش داخل هذا التعدد. وبذلك التعلم نفسه، وسعت من أبعاد الشخصيات، وتنويعاتها، واختلافها عن بعضها، وعني بالتأكيد، وحيث تساعد قدرة الكتابة (وصنعتها) على خلق العوالم والشخصيات والفضاءات بدلالتها الاجتماعية وعمقها النفسي وسماتها المميزة.

في ممارسة هذا الخلق للعالم الروائي، أو لعوالم روائية، كنت أتحرر من أفكاري الخاصة تجاه الحياة والوجود، وحتى وإن كانت كل شخصية من شخصيات أعمالي الروائية تحمل أثر خفيا من تجاربي في المرئي والمسموع والمقروء، فإنها ظلت تحررني من ضيق النظرة للعالم، ومن أي موقف جاهز، ومن أي نزوع محلي أو إقليمي أو عرقي، وبالرغم من أن فاسا قد احتلت مكانة هامة في أعمالي الروائية، فقد جعلت مدنا مغربية أخرى، وغير مغربية، فضاء لأعمالي، انطلاقا من ايحاءاتها وخصوصيتها التي تسمح بإغناء العمل الروائي، فلا قداسة للمكان في الكتابة، ولكن المكان له سحره وإيحاءاته وسلطته التي تؤهله لأن يدخل عالم الكتابة.

 

- 3-

توالت الأعمال الروائية التي كتبتها، مراهنا من خلال أوقات كتابتها على ألا أقيم في عيشي الخاص إلا بما هي إقامة للعبور، بينما إقامتي اليومية، لا تجعلني أعيش إلا في عالم الكتابة، مع أماكن قصية كما أنا أحب التخوم، ومع  شخصيات لها من مسحة الواقع ومن طابع العجائية كما أنا ذات مضاعفة ومتعددة، بتعدد (الشخصيات)، واقعية، تاريخية، عجائبية، أسطورية، ففي المعيش الخاص أرى نفسي أعيش حياة أسرية عادية وأمارس مهنتي كمدرس وأركب الحافلة فأتشاجر مع المزدحمين فيها ورصيدي البنكي هو دوما في حالة دين، لكني مشرق وذاهب في تجليات هي ملكي وليست ملك أحد، وهي التي تذهب بي دوما إلى الجمع بين التقاط تفاصيل طرية من اليومي، تجمع بين الواقع والإشاعة التي هي خيال الناس حول الواقع، وبين طاقة للإختران والتحويل، اختزان المعارف والمدركات والمرئيات وتحويلها إلى مدخرات للمرئي والمشاهد، يضاف إلى المقروء، والمحلوم به، وإلى صخب ذاكرة لا تكف عن استدعائها للصور والتفاصيل.

وهو تقليب دائم لرؤية وتمحيص المقروء والمشاهد، ولتحليل الشائعات على ضوء العقل، لقراءة الحاضر في الماضي، ولجعل الحواس أداة لتجلية الظاهر في الخفي، واستثمار كل ذاك في الكتابة، ولهذا أعتبر نفسي قريبا من الجنون، أو من حالة تجلي الصوفي، أو من حالة نبوءة لا تبشر ولكنها نبوءة  عصرنا الجديد، ولهذا لا أعتبر الكتابة مقاولة، أو مشروعا لاستثمار مادي أو معنوي، بل أعتبرها سياقا قادتني إليه تجربة في الحياة، كما لم يولد أحد وهو على حال، ولكنها مصائر نختارها لأنفسنا، فمن أجل الكتابة كرهان، عشت متعا مع أصدقائي الكتاب، لكني عشت قلقا كبيرا وتضحية بأشياء غالية، من أجل أن أحافظ على وضعي ككاتب.

 

- 4 -

في اليوم الذي سوف أكتب فيه سيرة حياتي الخاصة، سيتبدى من خلالها أنني سوف أكتب عن شخص لاعن شخصية متخيلة، وسيبدو للقارئ جليا أنني لم أكن أكتب في الرواية عن ذاتي من خلال الآخرين (الشخصيات الروائية)، وهذا لا يمنع من الاعتراف بأن معيشا حقيقيا قد تحول إلى سلطة للتخييل، حتى وما خلقته من شخصيات في أعمالي كان من حيث التجربة والمعاناة والشهادة على تحولات الواقع أهم بكثير مما عشته أو شهدت عليه، وما فكرت يوما في شخصية روائية هل هي تضاهيني أو أنا في حياتي الخاصة أضاهيها، بل فكرت في وضع أساس هو إضفاء طابع المعنى والخصوصية على تلك الشخصيات، وبكل الوسائل التي تمكنني منها الصنعة، وممكنات التخييل.

لم أكتب الرواية لكي أصفي حسابا مع أحد، أو مع حزب أو نخبة اجتماعية، وإنما كتبت من أجل أن أبني عوالم، وأن أجعل تلك العوالم تتشكل بكل تفاصيلها ومقوماتها ومكوناتها الشخصية والفضائية، لتدل على تمزق الإنسان، وأوهامه التي يحياها بين الخطيئة وبين أن يكون ضحية أو جلادا، وبين أن يحلم أو يرى موته، وبين أن تكون الحياة أسطورة أو أسطورة واقع، يحياها كائن اجتماعي، سياسي، في أوضاع متبانية ومتناقضة.

وإذا كان هذا هو حال الذات الفردية فهو أيضا حال الذات الجماعية، وهو حال المدن، باعتبار المدينة ومنذ وجودها التاريخي وإلى الآن، منذورة لاستيعاب تجمعات بشرية كما هي منذورة للخراب، أي أنها منذورة للحياة والموت، فلا تبقى منها التواريخ و الذكريات، ولكن يبقى منها شيء مهم، وهو استعادة حياتها الخاصة في شريط الكتابة عنها، لا للتوثيق، ولكن لبعثها من الرماد.

 

_ 5 _

ستكون هذه الأفكار، هي التي ترسبت في لا وعيي الثقافي، أو بعضها على الأقل، وأنا أتجه بتجربتي في الكتابة الروائية، اشتغالا على المكان، أو بالأحرى على محاولة جعل الاشتغال الروائي يقرأ المكان ويصفه ويوسع من عالمه ومدركاته وشخصياته (أو أشخاصه ) ليصبح فضاء للكتابة الروائية.

هذا الوضع لا يتحقق ببساطة، فمجيء مكان جغرافي للكتابة، لا يعني وصف أنماط العيش فيه ومعماريته والقيم الاجتماعية التي تسوده والثورات التي تحدث ضدا على تلك القيم وهي تبشر بقيم أخرى. فربما كان الوضع سيؤدي إلى كتابة رواية تاريخية تستمد مادتها من الوثائق.

لم  أطمح إلى هذا المطمح، بل سعيت إلى تَبَوُّءِ الحكاية والمحكي في الفضاء، باعتباره شخصية، أي بما هو مركز للاهتمام، لا على مستوى الوصف، والتقلبات الزمانية، بل لأن الكتابة بكل ممكناتها تخلق له معنى غير معناه المعروف والمتداول، فكأنه عالم بدئي، يتخلق في الكتابة، يوجد وقبل أن يوجد، بصعوده وانهياراته، وبأشخاصه الحقيقيين وشخصياته المتخيلة، باختراق سريته وطقوسه وذاكرته، وبحياة الفرد والجماعة فيه، وبسيرته الخاصة.

-6-

الأجناس الأدبية قواعد والقواعد قابلة للخرق. وكل التنظيرات المدرسية التي تُعرف الرواية والقصة القصيرة والكتابة المسرحية وغيرها هي مقتربات أو مداخل أولية لتعاقد بين القارئ والكاتب على ماهية وطبيعة المقروء.

وفي شأن الكتابة الروائية ومداراتها وتقلباتها وهي تحاول تحديد الأشكال وبناء العوالم، لا توجد حدود أو تعاليم أو قواعد، بل توجد تجسيدات نصية، تسعى إلى كتابة النص بما يجمع بين تصورات غائمة وغامضة لمنحاه وتوجهه وبما تنجزه الكتابة من نصية لها ما لها وعليها، وهي في جميع الأحوال تضعنا كقراء أمام نوعين من النصوص:

ـ كتابة فقيرة بموادها التأليفية، فقيرة بلغتها، فقيرة في أن تحيل قارئها على ذاته ومجتمعه و تاريخه، تنتهي إلى نهاية واثقة من أنها هي أفضل النهايات.

ـ وكتابة مقامرة ومغامرة، تغتني لتفتقر، وتوسع من عوالمها ليضيق العالم، تعدد من أصواته السردية ولغاته فتكتشف أنه لا يتعدد، تصنع نهايته المفتوحة فتكتشف أنه من خلالها ينسل نصا من نص.

كاتب النوع الأول معتد بنفسه وبإنجازه، وكاتب النص النوع الثاني قلق وحائر ينكر ذاته لا تواضعا ولكن لأنه شكاك، يؤمل في أن القيمة لن تتحقق إلا فيما سيكتبه، لا فيما كتبه.

كنت واعيا بمثل هذا الفارق، منذ بداياتي الأولى. ولذلك لا يعجبني أن أتحدث عن ذاتي ككاتب وعن هموم الكتابة إلا في المحافل التي أعرف أن مثل هذا الحديث يهمها، حتى مع عدم يقيني بيقين في الكتابة، فجنس الرواية ليس يقينا  ولكنه محاولة للتَّجَنُّس، لا للتجنيس.

 

-7-

حياة النص في القراءة، ومع ذلك لم أطلب من أحد أن يكتب عن أعمالي، ولا أوحيت له بذلك، لكن نقادا وباحثين وطلبة، أعرف بعضهم ولا أعرف بعضهم الآخر، قد انتبهوا بذكاء القراءة إلى بعض المناحي والنواحي الخفية في أعمالي، فالقراءة فعل للكشف والاستكشاف عن شبكات النص الخفية والظاهرة،  ورغم تمنعه عن القراءة الواحدة، الأحادية، فهو ينكشف بين قراءة وأخرى، محتفظا بوضعيته السرية لكشف محتمل.

 

-8-

كَمُّ الأعمال الذي أنجزته لحد الآن، هو نتيجة عكوف يومي على الكتابة، وبحث في مكوناتها واستثمار كل ما يجعل منها اقترابا من خلق الأشكال  ومحاولة للقبض على تجليات الواقع بغناه و تعدد مظاهره في الكتابة.

من عمل لآخر، أتجدد و أقتحم عوالم أخرى لمغامرة جديدة، ولا يهمني الكم في حد ذاته بل إن ما يهمني هو أن أكتب ما لم أكتبه من قبل، وما يلاحقني، هو غواية الكتابة.

ثانيا

-1-

في حالة تشكل محكيات أعمالي وعوالمها من فضاءات المدن، فقد تكون هناك بكارة للمكان، أو نمط أصلي أسطوري، أو اكتشاف أول لطاقات الرواية كعالم تخييلي وللمكان الذي تذهب الرواية إليه أو تحل فيه لتبدأه أو تبادئه، كي تكشف عنه أو تكاشفه، وتصغي إلى صخبه وأصواته السرية، قبل أن تمنحه معناه، أو أن تكتب المعنى من تجلياته الاجتماعية وأبعاده التاريخية، وأن تؤسس لرمزيته من الخصوصية التي يحتلها كمكان.

قد تكون فاس هي المرأة الأولى، امرأة الكتابة، الرحم والمنبع، البشارة  والخسارة، التذكر والنسيان، منها انطلقت في أرض الكتابة لكي أتوسع في فضاءات أخرى أو أماكن ليست مدنا، صارت هي الأخرى امرأة أولى، ورحما للكتابة.

و قد تصادف أن ذهبت من فاس عبر الكتابة إلى طنجة وأصيلة والرباط ومرتيل، إلى المقبرة والضريح والمصحة العقلية وحواف الأماكن المنسية، وحيث كان  نداء الكتابة قادما من تلك المدن والأماكن التي عانت من اغتصابها الرمزي عبر تواريخ وأنواع من المعيش يحتاج متخيل الكتابة إلى استبطانها وبعت لحظات صعودها وانهيارها.

رواية الفضاء لا تسكن في مديح أو هجاء المدن، أو النظر إليها من وراء قداسة ما، بل هي كواقع متخيل تسعى إلى الإمساك بجدل الموت والحياة في المدن، والاقتراب من كائناتها التاريخية والواقعية والمتخيلة وهي تتساكن في فضاء المعيش  وصراعات اليومي وكابوسية الأحلام وغلالات الفرح العابرة بين الظل والضوء. فالرواية لا تكتب التاريخ، والروائي ليس مؤرخا ولا نساخا للواقع، وإنما هو يبحث عن لحظة من لحظات رمزية العالم عبر الكتابة، وحيث يتداخل الواقعي مع الأسطوري ويتساكن التاريخي مع اليومي، فيشيع بين الشخصيات الروائية كل ما هو ثاو بين السري والمعلن، بين المقدس والمدنس، بين مثولية تفاصيل الواقع وبين الماوراء، بين الموت والحياة.

 

- 2 -

تثقيف النص الروائي يعني انفتاحه على الخلفيات الثقافية للشخصيات الروائية، وهذه الخلفيات لا تعني حضور خطابات ثقافية فوقية، عالمة، بل تعني جملة من المكونات و التجارب والأفكار، وهي تتحول إلى ممارسة لليومي، وحيث يتأطر بها ذلك اليومي. فالرواية ليست كَمًّا من المعارف والمعلومات، وإنما هي حياة تعيشها الشخصيات، لها خصوصيتها المحلية والاجتماعية والثقافية، تتجسد في الرواية عن طريق التشخيص، وبذلك تختلف الرواية عن رواية الأطروحة، التي هي رواية تجعل من بطلها أو أبطالها حاملين لموقف أو وعي أو وجهة نظر تغيب فيها ذواتهم الفردية وهواجسهم ومعاناتهم فيتحولون إلى مجرد معبرين عن أفكار.

لكن التعالقات النصية هي التي تسمح بتحويل نص سابق إلى نص لاحق، عن طريق المعارضة أو التحريف أو المحاكاة الساخرة ، ومن خلالها يصبح النص الروائي جماعا لنصوص، ويصبح مكونا من طبقات نصية، وحيث يتفاعل النص الروائي مع نصوص أخرى، فيكتسب نوعا من الأسلبة.

والتناص مظهر من مظاهر هذه التعالقات، يؤشر على ما يمكن إن تزخر به الرواية من حوار يقيمه نصا مع نصوص أخرى، لكنه ليس اعتمادا للرواية على المصادر والمراجع، بل هو امتصاص وتحويل لنصوص أخرى، تلتقي أو تختلف مع منحى الرواية ومعناها، وهو ليس مجرد حشر لنصوص خارجية، بل هو اشتغال وظيفي، دلالي وجمالي.

في بعض الروايات التي كتبتها تحضر هذه المستويات من الاشتغال، وخاصة في (رحيل البحر)، (فوق القبور، تحت القمر)، (أيها الرائي)، (المباءة)، وفي (زهرة الآس).

التجريب كما أفهمه، تقنية روائية تضفي طابع الشكل على الرواية، وإن كانت هذه التقنية لا تخلو من أبعاد دلالية وترميزية، تحضر من خلالها نصوص دينية أو ميثولوجية أو تاريخية وأخرى شفوية ترجع إلى  الذاكرة الشعبية.

 

- 3 -

الرواية والتاريخ بينهما أكثر من علاقة، فالرواية محكي لأحداث متخيلة والتاريخ  محكي لأحداث مهما تظاهرت بأنها حقيقية فهو تحمل في كثير من الأحوال طابع التخييل. فالكذب الروائي، قد يجد نفسه كثيرا في الكذب على التاريخ، ذلك أن الذين كتبوا التاريخ كانوا يصورون الأحداث والأشخاص التاريخيين بأمزجتهم ومواقفهم وقدرتهم على تصوير لحظات ومواقف وأحداث لم يعيشوها ولم يشاركوا فيها وإنما تخيلوها ، حتى وهم يدعون اعتماد تأريخهم على الوثائق والأحداث المعروفة، فالبياضات التي يملأها المؤرخ بخياله تجعل منه كاتبا لروايته للتاريخ، والرواية كجنس أدبي هي ما يكتبه الروائي عن أحداث وشخصيات من خياله ،لكنها لا تؤرخ لتاريخ غير تاريخ تحولات مفهوم الأدب ومفهوم الكتابة الروائية، ولا تؤرخ إلا لتاريخ الأشكال كما هو معروف في نظرية الأدب .

بهذا المعنى فالتاريخ الذي تسلل إلى ثقافتي الشخصية، وإلى أعمالي الروائية، كان مجرد نصوص لا حقيقية لها، بل هي نصوص تصور عوالم وأبطال وحروب ووقائع وضحايا وجلادين، نصوص منتقاة من حيث لها سحرها وغناها ونبضها بالحياة، وما عدا ذلك لم يكن يهمني في شيء.

لم أكتب الرواية التاريخية ولا أفكر في ذلك، وهي على أهميتها في تاريخ الرواية، وحاضرها، لا تعنيني.

يعنيني أن نصوصا تاريخية بعينها تسمح بأن أجعل منها مادة تجمع بين الواقع والتخييل، وإعادة كتابة تلك النصوص، تؤجج في سؤال وظيفتها في النص الروائي الذي أنا بصدد كتابته، فهي تخدمه وليس هو ما يخدمها، وهي توسع من قاعدة محكية ومن أبهائه ومساراته وأنفاقه الضيقة ومن عتماته وأضوائه، فهي تلوينات وتنويعات للمحكي، وما عدا ذلك لا يهم.

في تاريخ المغرب، صارت كتب مثل (الاستقصا) للناصري، وتاريخ الضعيف الرباطي، و(القرطاس) لابن أبي زرع، و(جني زهرة الآس) للجزانائي، و(روضة الآس) للمقري، و(سلوة الأنفاس) لمحمد بن جعفر الكتاني، و(وصف إفريقيا) للحسن الوزان، و(المسالك والممالك) لأبي عبيد البكري، وكتابات جرمان عياش، وما كتبه الأجانب عن تاريخ المغرب، كتبا قريبة مني، بكل صخب تواريخها التي تعرضت للبنية الثقافية والمجتمعية، وتاريخ الملوك وأعوام السيبة وصعود السلطة السياسية أو اندحارها على يد سلطة أخرى، وتاريخ الأماكن، والأضرحة، وتاريخ الصمت والخراب.

الرواية تحتاج إلى هذا التاريخ، لأنه في نهاية المطاف حكايات، وإذا كان الروائي فنان الحكاية فهو يبحث عن التنويع ليس هاجسا مجردا من البحث عن التأليف بين العناصر المتباينة والمتعارضة ،لأن أصعب مهمة تواجهها كتابة الرواية هي التأليف، أي البناء.

 

-4-

بين كتابة النص وإعادة كتابته تظهر ممكنات كثيرة للتحويرات الأسلوبية، وتجاوز بعض التكرارات غير الوظيفية، ومحاولة إضفاء طابع البنية على النص، مما يشيع فيه تكاملا وانسجاما غير مثاليين، ولكنهما يرأبان صدعا في بناء.

سوف تحدث مسافة لا بأس بها، بين نص (رحيل البحر ) الذي نشرته المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت،سنة 1983 ،وبين نص (رحيل البحر) الذي نشرته مؤسسة منتدى أصيلة في عام 2002  .

النص الأول، وعند مراجعته من أجل التحضير لطبعة ثانية بدا لي مثقلا بالتكرارات غير الوظيفية، يقول ويعيد القول، يكتب اللحظة ثم يعيد كتابتها، وهذا شأن المسودات لا شأن الكتاب المصفى والمقطر الذي يقدم للقراء.

حاولت وأنا أقوم بالتصحيحات المطبعية أن أمد يدي إلى تشذيب حديقة النص، فترددت، واستشرت مع عدد من أصدقائي النقاد حول موضوع ربما لم يتداوله النقد، وهو موضوع أحقية الكاتب في أن يعيد صياغة عمل سبق له أن نشره، وكلهم دعوني إلى التصرف بما أراه، وبما لا يفقد النص روحه وهيكله الأصليين.

قمت بتعديلات لعلها كانت في البدء تكثف من النص وتقيم  أوده، على مستوى حذف مقاطع سردية أو فقرات، وتوجت مقاطعه بعناوين (أحاديث)، فكل مقطع هو حديث لشخصية سواء أكانت بطلا أو مكانا، كما أعدت الصياغة لبعض الفقرات، وحذفت كل ما كان تحاملا سياسيا أملته المرحلة التي أصبحت متجاوزة اليوم.

هل كنت خائنا للنص الأول، الذي اعتبره بعض النقاد رائدا للحداثة الروائية في المغرب، وعنه كتب رشيد أوترحوت علي رسالته الجامعية تحت إشراف الأستاذ أحمد يبوري التي قدمها لكلية الرباط؟

القراء أمام نصين، لم يخن أحدهما الآخر في طرائق تشكيل الكتابة إلا بما تكون الخيانة جميلة وجمالية، ولكن ربما يجد القراء أنفسهم أمام تشذيب لحديقة أكل اليباس من بعض أغصانها وكان لابد لها أن تحضر من جديد، بدافع من أن الكتابة تتجدد.

وفي مناسبة جمعتني بالروائي الأردني إلياس فركوح، حدثني  عن قراءته ل (رحيل البحر) و(المباءة ) التي وجد فيها تغيرا في طرائق الكتابة، وكان معنا في الجلسة أدباء منهم الفلسطيني وليد أبو بكر والتونسي صلاح الدين بوجاه والعراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، فأخبرت إلياس بما قمت به في الطبعة الثانية من تحويرات وتعديلات، لكن وليدا اعترض، وقال هل يمكن لكل كاتب أن يعيد كتابة ما كتب، وإذا كان الكتاب سوف تصدر منه عشر طبعات فهل عليه في كل طبعة أن يقدم لنا كتابا جديدا من كتابه القديم؟

ارتبكت وأحببت أن أوضح السياق الذي دعاني إلى إعادة النظر في نص (رحيل البحر)، وأعلمت بأن مثل هذه الطبعات وبهذا العدد لا يحظى به غير قليلين من الكتاب العرب، وتحدثت عن أن كل نص هو جرح، ولذلك فهو لا يداوى إلا بجراح النبش  فيه ومداواته بجراح أخرى.

لم أقل إن شيئا جديدا قد دخل في صلب الرواية، وهو ما اعترى تلقيها غير النقدي ،وحيث حسب واحد من أبناء المدينة أنه (وهو شخص) يتماهى مع (شخصية) من شخصيات الرواية، فكانت لي معه قصة، أضفت جزءا قليلا من ملامحها إلى الطبعة الثانية للرواية، وأنه هدد بقتل  الكاتب، متوهما أنه أحد أبطال الرواية.

فكرت في كتابة نص مكمل ل(رحيل البحر )، أسميته مؤقتا (نساء البحر) كتبت منه أزيد من مائة صفحة، ثم تركتها للنسيان.

ثم جاء يوم أردت فيه أن أصفف كل رواياتي على الحاسوب، لحفظها، وربما إدخالها في موقع على الإنترنيت، ضمن النشر إلا إلكتروني، فبدأت ب (أبراج المدينة)، ووجدت أن النص ليس هو ما كنت أريد، فقمت بتعديلات وتحويرات أسلوبية، وبحذف صغير وإضافات صغيرة. لكن ما تلاها من أعمال روائية ربما بقي على حاله.

الكتابة النصية ليست حالة نهائية ولا يمكن أن تكون، لأن الروائي لا يكتب وثيقة، بل هو يحتاج دوما إلى ملاعبة البناء، واللغة، وزحزحة بعض التفاصيل، فليس هناك نص مكتمل، ونهائي، لأن الأعمال الخالدة هي التي يمكن أن تحمل هذين الصفتين، وأما الأعمال المكتوبة بقلق اللحظة والمرحلة، فهي دوما في حالة إعادة للنظر، فهي عبر تمزق الكتابة وعنفها، كما هو تمزق وعنف الواقع الذي تحيل عنه، تظل في حالة نكران لنصيتها كسكونية، لأنها تبحث عن دينامية دائمة،  سواء بقلم كاتبها، أو بتحفيزها لقراء محتملين.

 

- 5 -

لم يكن (ابن ضربان الشرياقي) غير ضمير للكاتب والكتابة، اكتشفته مع كتابتي ل (المباءة )، ثم عاينت فيه ضميرا حيا لا مرئيا لقلقي الخاص، وأنا أكتب، وأفكر في البناء، وفي الشخصيات، والأماكن، وفي الذات الكاتبة والذات القارئة.

نصوصه التي جعلت منها عتبات نصية، كانت تحضر بموازاة مع ما أكتب، أو ما أفكر في كتابته، ومنا كنت أقرأه،  فأحيانا كنت أصير أنا  بورخيص أو المعري، الكاتب الأعمى الرائي، وأحيانا كنت أصير واحدا من الشعراء الصعاليك أو من شعراء الطروبادور، كما كنت أصير ممجدا لرامبو فالزمن هو زمن القتلة، والحياة قطرات من السم نتناولها لحظة بعد أخرى بما يشبه الموت البطيء، أو ممجدا لملانو كونديرا، فالكائن لا تحتمل خفته، أو لإيميل حبيبي فأنا المتشائل، وما أكثر لحظات الحيرة، وهي لحظات تبدد الكتابة بإعجاز ما سبقها من كتابة، ولا شيء، لاشيء في النهاية .

لكن (ابن ضربان الشرياقي) يعرف أكثر مما اعرف من أسرار الكتابة، و من أسرار تاريخ السطوع والنضارة التي حققتها نصوص إنسانية، فهو المحرض على الكتابة، وهو المحذر من مغبة ابتذالها واستسهالها، وهو العين الخفية التي تراقب ما أنا فيه من ابتهاج وكآبة، وما أنا فيه من رهان على خسارة كبرى هي (بضاعة من لا بضاعة له) ، وسلعة لا سوق لها رائجة في القراءة ودور النشر والكتبيين، وهو يعرف لماذا ، ومع ذلك يحرضني على أذهب في المدن، وفي خلق حيوات للشخصيات، وفي الشهادة على الصعود والانهيار، أراه يبكيني ويشعر بغربتي، لكنه يواسيني بالمساءلة عما أكتب وكيف أكتب ولماذا أكتب ولمن أكتب،  فهذا هو (ابن ضربان الشرياقي).

كائن نحت لغته من اللغة التراثية ، وأنا خالقه كشخصية جعلتها تتصدر عتبات نصوصي، لكنه غريب وغامض فهو مرة ضمير الكاتب ومرة ضمير القارئ ومرة أخرى يتسلل إلى تفاصيل الكتابة ليجادل أو ليحاور، أو لينصح أو لينذر أو ليبشر، فهو عارف بأكثر مما أنا عارف، رغم أنه صنو الكاتب، القارئ المحتمل، رفيق الغربة في لحظات الكتابة، الحلال لبعض المعضلات التي تتعلق بالبناء أو مسارات الشخصيات أو دقة الوصف، الرقيب المحبب، المستشار الأول.

ماضوي ومعاصر، تراثي ومزود بزاد اختراق الزمان والمكان ليجعل من التراث معاصرة، فهو قناع للقناع، يسكنني وأسكنه، أتمرد عليه ويتمرد علي، وكلانا لا يحب أن يفارق الآخر، ولا يستطيع أن يستغني عنه، وهو يذكرني دوما بأن كلام الليل يمحوه النهار، يعني بذلك أن الكتابة محو، أن المحو هو الفضاء الحقيقي للكتابة التي تحتاج دوما إلى محو.

 

ثالثا

-1-

جئت إلى كتابة الرواية من كتابة القصة القصيرة، ففي سنة 1975 صدرت مجموعتي القصصية الأولى (أوصال الشجر المقطوعة)، وهي نفس السنة التي كتبت فيها روايتي الأولى (أبراج المدينة)، وكنت قد أسميتها (رجل بدون طبقة)، كما كان محمد برادة هو أول من قرأها، بعد أن قدمتها إليه على أنها مسودة أولى، فلم يبد أية مقترحات لتعديل محتمل، ولكنه ناقشني في بعض التيمات، كانتماء البطل إلى اليسار وانتقاده للحزب والنقابة، وزواج صديقه المناضل الحزبي من "زرافة"، وضمير المتكلم في الرواية الذي لا اسم له، وأشياء أخرى. كان ذلك في مقهى غرناطة بالبطحاء، بفاس، يوم كان برادة يأتي من الرباط للتدريس بكلية الآداب بفاس، وكنت وقتها أتوفر على مال لا بأس به كنت أنوي طبع الرواية ببعض منه على حسابي الخاص، لكن المال تبدد، والرواية ظلت قلقا خاصا بالنسبة لي وأنا أشعر أنها (غير مكتملة) حتى وليس هناك عمل روائي مكتمل، أو يجب أن يكون كذلك.

كنت قلقا بذلك القلق المضاعف الذي تغذيه أسئلة ما تحولات الواقع وأسئلة  تحولات الكتابة. وما كان ذلك القلق يبرر تسرعا أو رغبة في التغيير من أجل التغيير، أو ظهورا بالاختلاف من أجل الاختلاف، سواء على مستوى النظر إلى دموية المرحلة وسطوة الجنرال أوفقير وانتكاسات محاولات التغيير، أو على مستوى صراع الكتابة الممكنة بتفجيرها للأشكال التقليدية مع كتابات أخرى تستنسخ الواقع ولا تعيد إنتاجه أدبيا، تكتبه كما هو ولا تفجره أو تنظر إليه من زوايا متعددة أو تنقله إلى حلم أو كابوس، فأية كتابة وأي واقع؟

أخبرني محمد برادة بأنه سلم للروائي عبد الرحمان منيف نص (أبراج المدينة) مع ديوان محمد الأشعري (صهيل الخيل الجريحة) قصد النشر في العراق. التقيت بعبد الرحمان مرتين في فاس وسهرنا في بيتي وتبادلنا أحاديث كثيرة، وكنت أنظر إليه كروائي كبير، فخجلت من قراءته لرواية هي موضوع شك وقلق لدى كاتبها، سواء من حيث تمثلها للواقع ونظرتها إليه أو من حيث تعاملها من لغة تجريدية لم أفكر في أن تكون (تقية) بل فكرت في أن تكسر لغة الحكي العادية، أو من حيث البناء ووقتها كنت قد قرأت رواية عبد الرحمان منيف (حين تركنا الجسر) وكتبت عنها دراسة مطولة هي التي نشرها بمجلة (آفاق عربية) العراقية.

وفي يوم شديد الحرارة من أيام صيف 1978 سمعت طرقا على باب البيت ، وكنت شبه عار، ففتحت الباب، ووجدت أمامي عبد الرحمان منيف، ارتبكت واستأذنته في أن ارتدي ثيابي، ولما دخل أطلعني على نسخة أولى من (أبراج المدينة)، وقد صدرت في بغداد.

لعلي لم أفرح بصدورها، فقد أحسست بالمسؤولية، وسألته عما وجد فيها من قيمة روائية فرد بأننا لو كنا قد تحاورنا من أجل ما يعيد كتابتها قبل النشر لكانت أفضل. وهو كلام صحيح لم أر فيه استرخاصا لأنه صادر عن روائي كبير .

بعد وصول النسخ إلى المغرب أجرى معي الصديق رشيد بنحدو حوارا مطولا حول الرواية نشر بمجلة آفاق (العدد 5 من السلسلة الجديدة) وعقد لها اتحاد كتاب المغرب عدة جلسات للقراءة، حضرت بعضها، وأنا أشعر أنني لست متهما لكي أدافع عن نفسي، بل كنت أوضح سياقات كتابة هذا النص، وتعلمت من الكثير من الملاحظات، وكتب عنها عبد الجبار السحيمي ومحمد الهرادي ونجيب العوفي، كما كتبت عنها عدة بحوث جامعية للإجازة، في عدة كليات، وكتب عنها الناقد حميد لحميداني فصلا من رسالته الجامعية بعنوان: (أبراج المدينة، وانتقاد إيديولوجية اليسار).

 

- 2 -

بين عامي 1980 و 1981، من شهر غشت إلى شهر غشت، كنت قد عكفت على تجريب هذه الممكنات، في كتابة نص روائي هو (رحيل البحر)، ادخرت له ذاكرة بالمكان ترجع إلى معايشته منذ نهاية الستينات، وحيث كنت قد زرت (أصيلة)، أول مرة للقاء بصديقي خليل غريب، للسفر إلى إسبانيا، وحتى زياراتي المتكررة لها في الصيف والشتاء، وما كنت أبحث  عن مكان يكون موضوعا للكتابة، بل كنت أمارس عيشا عاديا من خلاله تجمعت تفاصيل حول الصيادين، ومدينة تعيش انقطاع الكهرباء في الشتاء وانقطاع الماء  في الصيف.

في الرواية ألفت بين عناصر منها ما يرجع إلى التاريخ والجغرافية من خلال كتابات الناصري وأبي عبيد البكري، ونصوص أخرى أسعفني أصدقائي من مكتبة كلية الآداب بفاس ومن خزانة القرويين.

حكاية البحارة عن البحر، وثرثرات حمقى المدينة على أرصفة المقاهي وشرود بعض المقهورين يأخذوهم إلى الهذيان ومواضعات بعض المصطافين، واللغط، وتقاطيع المكان الذي لا يوصف ولكنه يرى قبل الوصف، والدروب النقية البيضاء، والحزن، والبوح، والمواربة، والجرائم التي يحكي عنها، والأعراس والجنائز وممثل المدينة في المجلس البلدي، وأشياء أخرى كانت ترسخ في ذاكرة لا تحفظها كما هي، بل تبعثرها وتجعل منها فوضى للعين والحواس.

تتجاوز هذه للحكايات مع عالم البحر، ومن تاريخ الناصري الذي أرخ من خلاله للمدينة، ومن كتابات الصحف التي جمعت منها قدرا كبيرا، ومع الموت والفراغي من حيث هما مكان للبعث وللامتلاء بالدهشة والاكتشاف، مع الموسيقى التي يعزفها متقاعدون عن الحرب الأهلية الإسبانية، ومع مرشدي السياح الأجانب، مع التشرد والطفولة الضائعة والشباب الذي يحياه الناس شيخوخة.

وفي كل ذلك وجدت مادة للتأليف، ولكن كيف تنتظم في نص روائي، وكيف لهذه الفوضى أن تصبح كتابة مشروعا للقراءة؟

لم أخرج من اعتكافي على الأوراق إلا وأنا في مهب ريح عاصفة هي التي جاءت إلى فاس فمزقت الأوراق ورميت بها من شرفة شفتي بشارع أحمد أمين، فرأيتها تتزوبع، تتجمع وتصعد، وتشكل ما يشبه بركانا حممه من تلك المزق من الأوراق.

كانت المزق هي ما كنت قد كتبته على الآلة الكاتبة، وأما النص الذي خططته بيدي فهو ما تبقى، ولذلك عدت أعكف عليه، ناظرا في زرم من الأوراق التي كانت تضم نصوصا تاريخية وقصاصات من الصحف، ورواية (أصيلا) لجميل عطية إبراهيم، الكاتب المصري الذي عاش في المدينة وكتب روايته عنها، ومذكرات عن عيشه هو نفسه في المدينة يوم جاءها مدرسا للرياضيات، ملاحظات عن الفرق بين عيش جميل عطية إبراهيم في المدينة كما قدمه لي شهود وتلاميذ درسوا لديه وبين مادة الرواية الحكائية.

خلال ذلك العام الذي قضيته في كتابة (رحيل البحر) كنت أعيش محنة شخصية فكنت أجد في الكتابة والعزلة ملاذا لنسيان عيشي الخاص في عيش آخر أكثر رحابة وحرية، لكن الرواية، وبما لم يبهجني تماما، كانت قد تمت كتابتها، فلما زارني محمد برادة وإدمون عمران المليح والطاهر بن جلون، عرضتها عليهم، بغير فخر أو إدعاء، لأن جرحها كان يقيم كقلق في ذاتي، ومن حيث أنا شكاك دائما في قيمة ما أكتب، ولذلك لم أكن نرجسيا بل كنت وما أزال حاملا للوثة قلق الشك والحيرة في البناء والشكل واللغة فلم أطمئن في يوم ما إلى نص إلا بفرح أول بتشكله يأتي تأمله فقلق وريبة وخوف من أن يكون نصا يسيء إلى كاتبه أكثر مما يضيف إليه جديدا أو يمنحه قيمة ما على مستوى الكتابة.

بدا الفرح على محمد برادة وهو أول من تصفح المخطوط وقرأ منه شذرات، وقال لي لقد تغيرت. وأمسك الطاهر بنجلون بالمخطوط الذي كان ضخم الحجم بحكم أنه مكتوب على وجه واحد للصفحة بالآلة الكاتبة، وبعد نظره فيه وتمحيصه، قال لي إنك تمزج بين الشعر والنثر، وهذا ما أفعله أنا، ونظر عمران إلى المخطوط فقال لي بارك الله فيك، الحياة ضيقة صغيرة، ولا يمكن أن نوسعها، وأن نعيشها إلا بزمن أكبر هو زمن الكتابة.

لم أكن أحتمي بأسماء هؤلاء. بل كنت أحتمي بسماء للكتابة لا سقف لها، كعهدي بنفسي بحياتي الخاصة، فيوم أبيت تحت سقف أحمد الله على أنني لم أبت في العراء، لأنني عشت تجارب كثيرة للمبيت في العراء، وهو عراء مغر، له ابتهاجه بألا مدينة، ولا سقف، ولا عمران، ولكنه أيضا يستحضر بدفق كبير من الذكريات مدنا وهي تتشكل عبر تواريخها وأناسها وتقاليد العيش فيها.

ستطبع (رحيل البحر) في بيروت، وسيقول لي عبد الكبير الخطيبي بعد أن قرأها، إنه لم يكن يحسب أن كاتبا مغربيا بالعربية يمارس الكتابة بهذا الشبق.

(رحيل البحر) هي روايتي الثانية، كتبتها بعد نزعة تجريبية طغت على روايتي الأولى (أبراج المدينة)، ولذلك كان لا بد من صوغ حكائي متعدد المكونات متباين في طرائق الاشتغال.

ولأنه رواية لا تنتهي بنهاية كنص مفتوح، فقد كنت قد سودت صفحات طويلة لمشروع رواية متناسلة منها أسميتها (نساء البحر)، ثم صرت في طريق الرائي، راء الرواية، فمزقت أوراقها مزقا ورأيتها تتطاير وتحدث الزوبعة نفسها التي كانت قد أحدثتها مزق النص الأول، فسمعت لها أنينا هو أنين أرواح الكتابة.

 

-3-

بعد (رحيل البحر) ، كتبت (أيام الرماد) بين أكتوبر 1981 ونوفمبر 1986، وأعدت كتابتها بين أكتوبر 1990 وسبتمبر 1991، محاولا أن أرتاد عوالم جديدة ، وأن أؤسس لشكل روائي جديد.

ففي (أيام الرماد) عدت إلى تجربة معيش عشته في قرية (المنزل) التي عملت بها مدرسا بين أكتوبر 1970 وأبريل 1971 عشت فيه  مع سكان القرية وضعا مذهلا كان قد خلف في نفسي أثرا أو في ذاكرتي جراحا لا تنسى. في القرية نفسها رأيت تجاوزات السلطة وممارسة رجالها لقهر السكان، وتعرضت للاغتيال بسبب ما كنت أنشره في جريدة العلم من مقالات يوم كان الصديق محمد الأشهب يشرف فيها على صفحة (مع المواطنين)، ومحاولة الاغتيال جاءت في ليلة رمضانية خرجت فيها لشراء السكر، وفي الطريق، ومن عل، وقعت صخرة بمحاذاتي بسنتمترات، صخرة هي التي رأيتها في الغد في نفس المكان، ولا بد أن يزحزحها عشرة رجال أقوياء من مكانها يدفعوا بها نحو ذلك المهوى الذي هو الطريق الذي كنت أمر منه، ومن عجب من نفسي أنني قد مضيت لشراء السكر، ولكنهم في الغد اعتدوا على أختي فضيلة التي كانت وقتها تقيم معي بالضرب، وسلبوا منها حقيبتها المدرسية، وجاء من قبض على أحدهم فسلمه لمقر القيادة، ثم ليخبرني ورافقني إلى هناك لكتابة محضر، فأنكر موظفو القيادة عليه أن يكون قد سلمهم أحدا بتهمة ما، ولما ذهل أمام الحادث نصحني بأن أغادر القرية، ثم كانوا يطرقون باب بيتي، الحديدي، بحدائد لها صدى في عمق الليل والضبع نفسه كان يأتي من المغارات المجاورة ليقف تحت شرفة بيتي معولا بعويله فلما أخرج إلى الشرفة وأضيء الضوء أراه يهرب، فقد كان الضوء العمومي ينقطع مع الثامنة مساءا، وكان السكان يشتكون من أن الضباع تجول في الطرقات وتقف عند أبواب البيوت.

في (أيام الرماد)، لم أوظف هذه  التجربة الشخصية، بل استدعيت من معناها ما هو جمعي، دال وقابل للترميز، فخلقت على سبيل الفانطاستيك وضعية الأم التي تتحول إلى ست نساء متشابهات، وخلقت شخصية (حامد العسلي) الطالب بكلية بالرباط ابن القرية الذي يعود إليها ليكتشف واقعها، وليكتشف الوضع الذي صارت عليه الأم، وهو ست نساء على نفس القامة والهيأة واللباس.

تعني هذه الكتابة الروائية  في (أيام الرماد) أنني كنت أجعل من الواقع متخيلا، ومن التخييل عمقا استراتيجيا للكتابة التي لا تستنسخ الواقع كما هو بل تكتبه بدهشة الكشف والاكتشاف.

ولأن الرواية نشرت لدى اتحاد الكتاب العرب بدمشق، ولم تصل منها إلى نسخ قليلة، ولم يقرأها القراء في المغرب، حتى وقد حظيت باختيارها ضمن أفضل 105 رواية عربية.

 

- 4 -

لكن (المباءة) تولدت في خلال الفترة نفسها، فكتبتها بمجاورة مع كتابة (أيام الرماد)، على اختلاف الموضوعين. ففي (المباءة) حضرت فاس من جديد، ومن خلال (قاسم الورداني) مدير السجن الذي تحول إلى مجنون يسكن في مقبرة باب الفتوح، بعد اعتقال ابنه الطالب والمجيء به إلى نفس السجن، وحيث تعلم من نيتشه وفلسفته في الأخلاق ومحاورته للزرادشتية وفكرته عن الإنسان المتفوق.

لكنها فاس ليس وحدها هي (المباءة)، بل هي مباءة مغرب نظام سياسي فاشي تسللت خرائبه إلى النفوس والأرواح، وإلى ذوات المواطنين، وحيث يشهد جنون (قاسم الورداني) على أن الرفض هو تعبير عن خلل كبير يبدأ من السلطة السياسية وتنتهي إلى المعاناة الفردية.

 

-5-

كتبت روايتين قصيرتين هما: (فوق القبور، تحت القمر) و(أيها الرائي)، وفي وقت وجيز لم يتعد الثلاثة أشهر.

في الأولى عكفت على تصويغ حكاية مقبرة يهودية تقع في ب(اشجن) قرب مدينة وزان، يزورها اليهود من كل بلاد العالم، في موسم (الهيلولة). والحقيقة أنني قد منحت شيئا من تجربتي الخاصة ل (فراولا) الألمانية التي جاءت للمقبرة قصد الاستشفاء. فقد كنت قد عشت حالة نفسية عصبية جعلتني أرى (طائر الرعب) الأبيض وهو ينقض علي من سقف الغرفة، لكن الكتابة الروائية حولت الطائر إلى رمز للفلسطيني وهو يمارس غارته على اليهود الذين يتذرعون بالموسم قصد جمع الأموال وإرسالها لإسرائيل. ولقد نشر النص في مجلة (الكرمل) الفلسطينية بعنوان طائر الرعب، ثم غيرت العنوان وأنا أعد النص لينشر في كتاب.

وأما (أيها الرائي)، فقد عشت تجربتها مع عدد من الزنوج الأفارقة في (مالكا) يوم سافرت إليها وأنا على وشك الانتحار، تحت ضغوط نفسية كنت قد تعرضت لها في بداية السبعينات، ففي النزل الرخيص الذي أقمت به التقيت مع أولائك الأفارقة، ومع قائدهم الذي كان يعرف الفرنسية، فحدثني عن ترحيلهم قصد العمل في ألمانيا، لكن هذه التجربة ظلت مخبوءة ولسنوات في الذاكرة، حتى جاء موعد استثمارها في كتابة نص روائي.

وفي كلا الروايتين، كان هناك البطل الجماعي، أي أن الأحداث تعيشها شخصيات متعددة، قد تختلف في ردود فعلها وفي تلقيها لما يحدث، ولكنها تشترك جميعها في وضع واحد، ومصير واحد. وكلا الروايتين، تطلبتا مني أن أثقف الكتابة بمعرفة ثقافية حول الموضوع.

تطلبت مني (فوق القبور، تحت القمر) أن أقرأ التوراة وأن أوظف نصوصا منه للدخول إلى ذهنية (اليهودي)، لكني لم أتقيد بحرفية تلك النصوص ولا بمرجعيتها، بل صغتها لما يتلاءم مع احتواء النص الروائي لها، وكان القصد هو أن يحتفي النص الروائي بتعدد اللغات والمرجعيات وأنواع الخطاب. واستدعت (أيها الرائي) معرفة خاصة بالميثولوجيات والرموز والشعائر الإفريقية، فقرأت عدة مراجع حول الموضوع، اغتنيت منها بما استطعت أن أغني به الرواية، وفي البدء، كما همي الأول هو البحث عن أسماء للشخصيات، وأسماء للقبائل، ثم تطور البحث إلى تجسيد الميثولوجيات في حياة الإفريقي، ولذلك انبنت الرواية على يقظة تلك الميثولوجيات في عالم الغربة (مالقا)، ومحاولة إسقاط الأفارقة لرموزهم  على رموز أخرى غربية.

 

- 6 -

مغارة الكتابة هي التي جعلتني أقترب من شعرية خاصة لمدينة المغارات، وحيث تصبح إيحاءات المدينة وممكناتها تعبيرا عن الأنا بقلق تاريخها وهذياناتها وجنونها الخاص.

طنجة هي المتعدد في اللغات والأقاويل والحكايات والشخصيات: شخصيات مغربية وأجنبية، وحيث لا غرابة في تصاهر جميل بين الوطن وانفتاحه على الآخر المتعدد. منذ أن كانت طنجة دولية وإلى اليوم فهي مدينة الانفتاح على التعدد، هنود وطليان وأنجليز وفرنسيين وإسبان. ويمكن في حالة الكتابة ومتخيلها أن تعود الرواية إلى رمز المغارات الهرقلية، وإلى أسطورة واقع أو واقع أسطورة، وحيث تغدو المغارات مغارات للكتابة، ومغارات للماء والدم والظلام والأساطير المتماهية مع الواقع.

لم يكن كل ذلك سببا لكي آتي إلى طنجة عبر الكتابة، بل كانت طنجة نداء جميلا لدخول المغارات، مغارات اليومي والمتخيل، والمسكوك عبر لغة الناس، والظاهر والباطن.

ما معنى أن تتناسل روايتي (مغارات) كنص مفتوح مع رواية أخرى هي (ضحكة زرقاء) ومع نص ثالث محتمل؟

هل هو الغنى الرمزي للمغارات أم هو حنين الكاتب لمدينة التعدد اللغوي والترميز التاريخي لتحولات  المغرب الحديث؟

بين الكتابة كتخييل  وبين فضاء الكتابة يسكن التاريخي السياسي واليومي والأسطوري، وحيث تتملك الكتابة أبعاد الواقعي، والممكن، والمحتمل. في كل ذلك تنهض طنجة كمدينة مسعفة وموحية بالكثير من التفاصيل، والمعاني، غنية بأشخاصها الذين هم كشخصيات رواية كتبتها المدينة نفسها.

منحتني طنجة أسرار العلاقة بين الواقعي والتخييلي، كما منحتني الاقتراب عوالم جديدة ومن أناس / شخصيات، لا يمكن أن تلدهم غير هذه المدينة، فمغاراتها هي مغارات الكتابة.

 

- 7 -

تحضر فاس في الكثير من أعمالي الروائية، وكأنها سلطة لذاكرة جريحة، ذاكرة فردية وجماعية، فهي فضاء لمعيش متعدد ومتنوع، متجدد بما يمنحه للروائي من عوالم ومواد حكائية وتقلبات للوقت، مدينة تتجاور فيها أنماط من العيش مع ما يطبعها من أثر لحوادث التاريخ، وللثقافة الشعبية، وللسحري والأسطوري، وفي هذا التجاور ما تجد فيه الكتابة إمكانية لتجاور آخر للمحكيات مع النصوص أفقدتها التداول مرجعيتها فأصبحت منتمية إلى فضاء فاس، من داخل أسوار المدينة إلى خارجها، ومن صناعها التقليديين إلى صمت الدروب ولغط الأضرحة وبهجة الحدائق ورائحة التوابل والأطعمة والليالي والعبيد والسراق والملوك وجنود السلطان، وفي كل درب أثر أو علامة تركها من مضوا في الطريق، تاريخ لا ينفصل عن الحاضر. بين أبواب المدينة، وأبراجها، وبياضات تاريخها السري،تحضر تفاصيل اليومي، مبوأة في دروب فاس وأحيائها وخرائطها، كما يحضر ربيع النزه وصيف الحرائق، وتحضر الأعراس والمآثم.

لكن رمزية المدينة تكمن في جماع المكونات والمواد التي تحيل على عالم سري، مسكون بالدهشة، يقع بين الوقائع والأخيلة، بين الباب والباب، بين تاريخ وآخر، بين فاس الموبوءة وفاس الموعودة.

أسميتها في الكتابة مباءة، منزلا لليمام، مهوي من مهاوي الأحلام، وأسميتها زهرة آس، أسميتها وهي لا تسمى غير فاس.

بين (قاسم الورداني) في (المباءة) و (عبد الفتاح) في (زهرة الآس)  و(عبد الحي السراج) في (خفق أجنحة)، في (عبد الحميد الدباغ) في (الخفافيش)، (عبد الرحيم الأزرق) في (دم الوعول)، تحضر شخصيات روائية استعدت من خلالها حضور مفهوم البطل، بمعيشه وتجاربه وأخيلته ورؤيته للعالم، فبعد  أن كانت روايات سابقة على هذه، تحفل بالبطل الجماعي، وجدت في تنوع الشخصيات السابقة، وعوالمها، ما يحيل على متعدد فاس في أزمنتها وأمكنتها وتفاصيل ما يجعل منها خصوصية محلية لا يمكن أن تتحقق في مدينة أخرى.

لكن الشخصيات ما كانت سوى ذرائع للدخول إلى عوالم فاس، فبالرغم من جرحها الشخصي فهي تحمل جراح مدينة، كما تحمل آثار تنوع وجماع ثقافات واختلاط بشري وأغان للملحون ومعمار خاص هو ربيب أندلس وصنائع وحرف وعلماء ومتصوفة ومجانين، وعادات في الموت والحياة.

صنعة الكتابة، وبناء الأشكال، وخلق العوالم، هي السمات الأساسية لكتابة تحاول تملك العالم، وكتابة فاس لا توجد إلا في الكتابة، حتى وإن كانت تحيل على المعروف والمتداول، لأنها لا تبتذله، بل تولد منه ما يمكن أن يتناسل من محكيات وفضاءات تقع بين أسطورة واقع وبين واقع أسطورة.

هي رؤية للكتابة الروائية من حيث هي جماع نصي، وهي رؤية لفاس من حيث هي منبع للحكايات وللإيحاء والإستيحاء.

ولا يمكنني، كذات فردية أن أكون كل تلك الشخصيات التي حضرت في الأعمال الروائية السابقة، ومهما اتسعت تجاربي الشخصية فإنها لن تتنوع وتتعدد لذلك الحد. لم أسع إلى أي توفيق أو تلفيق بين تجاربي الخاصة وبين ما عاشته الشخصيات أو شهدت عليه أو رأته في الأحلام والأوهام، فحدود التماس وإن كانت توجد في بعض اللحظات فهي تتسع لتصبح تخوما تقع على التخوم.

(عبد الفتاح ) في (زهرة الآس) ليس غير مفتاح لدخول عالم فاس التي يتبدى له من فوق راحة يده بعد أن تنطفئ نار البراءة لتشتعل نار أخرى هي نار الكشف والاكتشاف، و لا أحد يدري هل كان هو من يقود جدته العمياء (المبصرة)، أم أنها هي التي كانت تقوده وهو الأعمى (المبصر)، فكلاهما ذريعة للولوج إلى عالم فاس كما هو عالم الرؤية، فالعمى والإبصار هما الوجهان لرؤية المرئي ولرؤية ما يتجلى من التجليات.

وأما في (خفق أجنحة)، فتجربة الصوفي لا تحضر إلا من داخل نبض الحياة اليومية وتاريخ الحركة الوطنية وتاريخ الذات الذي يبدأ اليتم، وحيث يبدأ (عبد الحي السراج) ذو الأصل الأندلسي من تهدم منزل فاسي مات فيه أبواه فأصبح متبني من قبل (سيد الحبيب) الصحراوي، وهي ليست لحظة لقاء بين فاس والصحراء كما عرفها تاريخ المدينة، بل هي لحظة بادئة للعالم من  الهدم واليتم واليقظات التي تسبق زمنها.

وكذلك حال (عبد الحميد الدباغ) في (الخفافيش)، فهو أيضا شاهد على الخراب التي لم تتحول إلى ملجأ للأيتام بعد أن أقيمت طقوس لجمع مال وذهب من تبرعات السكان، وكلها ستسرق، كما سرقت فاس وسرق العمر الجميل.

سيسرق (عبد الرحيم الأزرق) من عالمه ليتحول إلى قزم، وليصبح مدارا للشائعات، كما كان (عبد الفتاح) في (زهرة الآس) قد سرق من قبل سحرة وجدوا في ملامحه ما حسبوا أن الكنز مرصود عليه.

كلهم مسروقون من مدينتهم، ومع معاناة المعاناة لا يستيقظ فيهم شيء غير مدينهم المسروقة، التي يستعدونها عبر التاريخ والذاكرة والطقوس والمراسيم، يتعالون على ذواتهم وإن كانوا يعيشون جراحها الشخصية، ليستعيدوا أسطورة مدينة، أو مدينة أسطورة.

ولا يمكن لهذه النظرة وحدها أن تشكل مدخلا لفاس، فثمة مداخل أخرى، كما لفاس أبواب للدخول والخروج، الأحداث في الروايات تدخل وتخرج من أبواب الحكاية. والحكاية ليس لها باب واحد للدخول أو الخروج، كما هي تستعير ذلك من رمزية المدينة ذات الأبواب.

قد يكون البطل الحقيقي في هذه الأعمال الروائية، هو المكان نفسه، وهو يتناسل ويتنوع ويتعدد، كما هو متناسل ومتعدد، وكما لا يمكن أن يقبض عليه المؤرخ أو الخرائطي أو المحلل، فهو مكان سري، لا تقبض عليه الكتابة الروائية إلا من حيث هو منفلت أبدا، لأن تجلياته تبدو بذلك التضعيف المرآوي، والرواية لا مرآة لها، بل لها مرآة المرآة.

 

-8-

في مرتيل لا يكون العيش إلا مع (كائنات محتملة)، فتاريخ المدينة لا يحيل إلا على البرج وعبيد البخاري، وعلى ثغر من الثغور. لكن التاريخ القريب يحيل على مدينة صغيرة لها حدائق وممشى للبحر وحانة كان يرقص فيها الإسبان كل مساء، وكانت بها محطة للقطار الذي يعبر من تطوان إلى سبتة. مدينة كانت لمغاربة قلائل، تكاثروا عليها وهم يأتون من قبائل (اجبالة) ومن (الريف)، حتى أصبحت موقعا إستراتيجيا لتهريب المخدرات، وللهجرة السرية، ولعيش (كائنات محتملة).

جئت صدفة إلى مرتيل وأنا أحمل تحت جلدي تاريخ فاس ومدن أخرى في الوطن وخارجه، نوعت من ذاكرة المكان ومن تجلياته وتبدلاته.

تجلت لي مرتيل واقعا مغايرا وأرضا للكتابة فيها لا عنها، فقد كنت أحسب أن المكان الذي نحيا فيه، نبتذله إلى حد أننا لا نستطع أن نرى علاماته وممكناته، ولذلك  فقد كتبت (زهرة الآس)  عبر خمس سنوات، ثم جاءت أعمال أخرى.

فلما فكرت في كتابة نص روائي عن مرتيل، وجدتها غير المدينة المسطحة التي لا تاريخ لها، فبدأت  أبحث عنها في كتب التاريخ، كما بحثت عنها في الوقائع، والإشاعات والأقاويل.

وكما أفهم الكتابة الروائية  فهي استيحاء للمكان وتجارب أناسه وذاكرتهم الفردية والجماعية كما أن هذا الاستيحاء يقود إلى بناء عالم تخييلي، يستمد عناصره من الواقع، ولكنه لكي لا يستنسخه يبنيه من جديد في الكتابة، ليخلق منه عالم الرواية الذي لا يضاهي عالم الواقع، وبهذا المعنى لم تكن (مرتيل) هي التي تهمني، ولكن ما همني هو (زرقانة)، المدينة التخييلية التي تجمع بين الواقع والتخييل.

ففي (زرقانة) بنيت مدينة من الفراغ، كما تبني المدن على الفراغ عادة، مدينة ذات بعد أسطوري تاريخي اجتماعي، لعلها برمزيتها هذه تكبر عن أن تكون هي مرتيل، لكنها قد استوحت بعض التفاصيل، وهذا ما لا يجعل المطابقة، واستنساخ مرتيل في الرواية أمرا ممكنا.

وليس من قبيل المصادفة أن يكون (فردريكو سبيانو) مهندسا مختصا في هندسة المدن، لأرافقه وهو مدينته (زرقانة) من التراب والحجر وأنا أبنيها على الورق، ليشيد من عالمها تفاصيل واقعية وغرائبية، ولأشيد معه رواية من الفراغ، وعلى الفراغ الذي كان لابد له أن يمتلئ بالتفاصيل اليومية والمحكيات وتاريخ الكذب الأدبي بما هو تاريخ يشهد رمزية التصدعات التي تمس المغرب، من حيث توسيع الواقع على واقع يتجاوز المدينة إلى ما يمكن أن يدل على مجتمع لم يستوعب بعد قيم الديمقراطية والتعدد في الأفكار، لأنه مجتمع يعاني من التخلف، ولذلك تتحول الانتخابات إلى مافيات. وتتحول المدينة إلى مجرد معالم لا يملأ فراغها غير القتل والانتحار والهجرة والتجريح، بدموية من لا أفكار له يدافع عنها بواسطة الحوار، بل له الدم يسفحه أو يسفح به دم الآخرين.

لهذا السبب، حاولت  الإمساك بتفاصيل يومية لها أبعادها في بناء عالم كلي، علما مني مرة أخرى بأن الكتابة لا تغير حياة الناس وواقعهم، ولكنها تشيد واقعها ومتخيلها على تفاصيل من اليومي، والتاريخي، والمشاهد، والمسموع، وعلى ما هو أهم من ذلك، وهو بناء رمزية للعالم، هي رمزية لا تمنحها إياه غير طاقة الكتابة على استثمار المعارف والمدركات، استثمارا يدفع نحو بناء العالم من جديد.

هي إمكانية تستشرق آفاقها وممكناتها في نصوص روائية أخرى، بما هي الكتابة تعدد وتنويع، وتضاعف من العيش في الأماكن والأزمنة.

 

ـ قدمت هذه المداخلة ملخصة أمام طلبة الدراسات العليا، مجموعة البحث في الصورة التي يشرف عليها الدكتور عبد المجيد النوسي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة، بتاريخ 26 ديسمبر 2003.

شجرة الرواية

في معنى الكتابة وفضاءات التجربة

 

يمكن أن يؤدي بنا التأمل في الرواية، إلى رمزية مجازية تجعلنا ننظر إليها كشجرة غريبة استثنائية، تثمر فواكه من ذهب. وهنا نستطيع أن ننظر إلى واقع الأسطورة، وأسطورة الواقع كوعي جديد يتلقاه كاتب الرواية للعالم، ويعيد إنتاجه عبر وسائط الكتابة الروائية واستراتيجيتها الشكلية.

لا ينبغي أن ننسى الشجرة، فالشجرة تُنْبِتُهَا أرض الكتابة، والذاكرة الشخصية للكاتب تعط