محمد عز الدين التازي
رحيل البحر

الطبعة الأولى: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1983.
الطبعة الثانية: مؤسسة منتدى أصيلة، 2002.
"عيون الصحاب كالجمرات، وجمرة العشبة تتقد على الشفاه حتى مطلع الفجر. يتقد الرأس وتأتي الأحلام العجيبة، لكن السماء أخذت ترشقنا بصبيب مطر كالحجارة، والبسمة غاضت في ماء المطر.
لا بحر.
جلسةُ الترقبِ تطول أحيانا. لن تتبدل كآبة النهار إلا بانصرام فصل الشتاء. لماذا الصمت؟ أين هي رنة العيدان؟ هاتوا العود لأغني. لا نريد أن نكون حزانى. الليلة يرحل البحر. بقيت أيام وتأتي ليلة رحيله. أنا حسون ضاعت أغنيتي في البئر، ولن أسترجعها من البئر مرة أخرى، ربما أجدها عندكم، أو أسمع شخصا آخر يغنيها في مكان ما. لا يمكن أن تَضيع منا الأغنية، وقبل أن يرحل بها البحر، علينا أن نتذكرها ونغنيها جميعا. أتألم لهذا الصمت الذي يجيبني. الرؤوس منكسة، والأيدي وحدها تتحرك بالجمرات إلى الشفاه. صمتكم لا يعجبني. حتى محمد العربي صامت. تكلم أيها القارئ الوحيد بيننا. أضحك يا عبد الكريم فأنت لا تضحك إلا هنا في المقهى أو في الكانتينة، وها أنت هنا في مقهى الصخور. اضحك حتى تسمع المدينة ضحكتك، وتعرف أنك هنا".
يقول عنها الباحث عبد الله التخيسي:
"والشعر في (رحيـل البحـر) يجري مجرى النسغ في الجذور والفروع من الراء إلى الراء: من راء رحيل البحر، عنوان ومفتتح الرواية، إلى راء الراوي، خاتمتها ص: 317، الحائرة والمتسائلة في آن عن دورها لتعبر عن عجزها عن الإجابة؛ كما لا أملك الجواب بدوري عن تلك الأسئلة ومثيلاتها من قبيل حدود السرد وحدود الشعر في الرحيل التزاما للوقت المتاح من الكلام المباح وسأكتفي بالإشارة إلى أهم مظاهر الشعرية في «رحيـل البحـر» وهي قائمة على خمس:
1-شعريـة الموضـوع.
2-شعريـة الإيـقـاع.
3-شعريـة اللغـــة.
4-شعريـة الـفضـاء.
5-شعريـة التنــاص.
وكل واحدة من هذه الشعريات الخمس تشير إلى جهة من الجهات كالنجمة الخماسية لدى النظرة الأولى لكنها بعد إمعان النظر تبدو متشابكة ومتداخلة بحيث لا نعثر على أولها ولا آخرها وكذلك حال الشعر في (رحيـل البحـر). فمن أين تبدأ الشعرية وإلى أين تعود؟
لن أغامر بالتجديف بحثا عن جرثومة التكوين والخلق تاركا للصدفة عقد هذا القران بين الشعر و(رحيـل البحـر). وصلة الاثنين متأصلة في الوجود والوجدان منذ كانا في قديم الزمان موضوعا وإيقاعا، حقيقة ومجازا، فلا شعر بلا بحر ولا بحر بدون شعر قبل أن يصبح الشعر بحور الرمل والبسيط وغيرها من الصافيات صفاء ومن المختلطات اختلاطا. وإنما هي ممتدة في نبض الحياة وإيقاعها في فضائها الواسع بلا حدود ولا قيود.".