الأعمال الكاملة


الروايات



الطبعة الأولى: منشورات وزارة الثقافة، 2005. الكتابة منذورة للبقاء قراءة في الأعمال الكاملة عبد الفتاح الحجمري 1- لا تكون النصوص، قصصية أو روائية أو شعرية، لما تصدر ضمن الأعمال الكاملة "نصوصا مستقلة"، بل إنها تغدو "نصوصا متعانقة" تملي على قارئها اختيارا معينا يسمح باستخلاص رؤية قصصية أو روائية أو شعرية لهذا الكاتب أو ذاك، وتسهم أكثر في تركيب تصور للكتابة منشؤها سياقات أدبية وثقافية، هي جوهرها وحافزها. ولذلك، تتيح الأعمال الكاملة إنجاز "قراءة جامعة"- من غير أن تكون "مانعة"- مصدرها أطوار من التجربة الإبداعية لصاحبها، ودليلها خبرته فيما حققه من بناء فني لكل عمل إبداعي بتلوينات أسلوبية، وأدوات لغوية، وموضوعات حكائية يتضافر فيها الرمزي والثقافي والاجتماعي والنفسي. ثم إن قراءة الإعمال الكاملة تمكن من وصف البنية التأليفية للنصوص الأدبية، وترسم ملامح تطورها التاريخي، من النص المفرد إلى النص الجمع، وفهم نوعية التقنيات الفنية التي يمكن للنصوص أن تظهرها و/أو تخفيها. 2- كانت الفترة الزمنية الممتدة من عام 1948 حين ولد محمد عز الدين التازي بحي القلقليين بفاس، وإلى حدود منتصف عام 1966 لما نشر أولى قصصه القصيرة وهو بعد تلميذ بالثانوي، كافية لتحفيزه على الاستمرار في اختياره التعبير الأدبي سبيلا لملاحقة أجواء طفولة شهدتها دروب فاس العتيقة، وأحوال مراهقة امتدت من انتقاله من المدرسة الأميرية لما حصل على الشهادة الابتدائية سنة 1960، إلى حين التحاقه بثانوية القرويين وحصوله فيما بعد على الباكلوريا عام 1967 وهي فترة تكون مبتدؤها تمثل لملامح ثقافة محافظة مطلعة على علوم اللغة والأدب العربي الكلاسيكي، ومنفتحة- في الآن ذاته- على خصوبة الأدب المغربي والعربي الحديث والآداب العالمية الرفيعة. وقد أعطى هذا كله ثمارا يانعة في ما سيكتبه التازي لاحقا من قصص قصيرة وروايات ومسرحيات وقصص للأطفال ونقد أدبي. لظروف نشأة الكتاب أدوار فاعلة في تحديد مبررات الكتابة لديهم، عن قصد أو بدونه (لا يهم)، لأنها منبع الوعي قيمة التعبيرات الأدبية والثقافية التي تغني الوجدان والمشاعر، وتجعل الكاتب لا يخلف موعده كلما شاء له القدر أن يكشف بعض أسرار الضميمة، أقول قولي هذا وأنا على علم بحكمة للعلامة أمبراطو إيكو مفادها " أن الحياة الخاصة للمؤلفين الفعليين لا يمكن سبر أغوارها، وهي في ذلك شبيهة بنصوصهم". ورغم ذلك، تبقى لكل حكاية ورواية كائنات ومرئيات لعلها رجع حنين وملاذ إقامة لكل تليد وطريف، استعادته الذاكرة والتقطته العين. زمن الكاتب هو زمن الكتابة: مزيج من الذاتي والغيري والعابر والظرفي، والتاريخي والحلمي والعجيب، وبعض ما تخثر في القلوب من قلق ورتابة سنوات ستينيات وسبعينيات وثمانينيات يمكن أن تقرأ صداها في كتابة محمد عز الدين التازي – وأحمد المديني – والميلودي شغموم – ومحمد زفزاف... كل وطرازه الأدبي الخاص والمعلوم لدى المنشغلين والمتابعين لأوضاع السرد بالمغرب الأقصى. ولتجربة محمد عز الدين التازي في الكتابة الأدبية غناها وتميزها منذ مجموعته القصصية الأولى "أوصال الشجرة المقطوعة" وروايته الأولى " أبراج المدينة" فهي تستمد غناها من جرأتها على التعبير عن قضايا واقع موسوم بانسداد الأفق وانهيار قيم خلال فترة عصيبة من تاريخ المغرب الحديث عقبت استقلاله، وتطلبت إيجاد مفهوم جديد للأدب يكون قادرا على الانخراط في لحظته التاريخية والاجتماعية، وهي تجربة تعلن تميزها عبر تجريب أساليب جديدة وابتداع أشكال تعبيرية تتجاوز تقريرية النثر الأدبي المحافظ والموروث عن بعض مؤلفات النصف الأول من القرن العشرين. وقد كان هذا الغنى والتميز لدى جيل التازي دليلا على قيمة نثر قصصي وروائي يتطلع نحو تشييد واقعية أدبية متحررة من إرغامات الجاهز والمسبق، وهذا يعني أن الواقعية الأدبية في النصوص الإبداعية الأولى للتازي والمديني وشغموم وزفزاف وعبد الله العروي ومبارك ربيع، أفرزت روايات راهنت على تجريب خطابات وأشكال مكنتها من إعادة النظر في متخيل الأنا وحركة الواقع الدال على ما هو محظور، والمتصل بما هو مهمش، ومكنتها –في مقام آخر- من تأمل سؤال الكتابة وجعله موضوعا من موضوعات الحكاية الروائية، ممزوجا بتفاصيل الحياة اليومية للشخصيات ومضيئا للعديد من مواقفها في الزمان والمكان. 3- لقد أصبح بالإمكان اليوم – وبعد صدور الأعمال الروائية الكاملة لمحمد عز الدين التازي(*) – إظهار خصوصية الكتابة لديه، ليس انطلاقا من تصور يمليه وعي نظري ونقدي جاهز، بل انطلاقا من مطلب الأدب كما يتحصل من نصوص قصصية وروائية هي منبع سؤال الكتابة، وهو سؤال ليس من السهل على أي كاتب صياغتها ولا على أي دارس استخلاصه، إلا إذا انتسب النص إلى التاريخ وكان حاملا لإضافة فنية لا مزعومة سرعان ما يخبو بريقها، لأنه لا سر لها ولا سحر. يبدو محمد عز الدين التازي مقتنعا من أن: "الكتابة وهي غير قابلة للتعريف الجاهز الذي يختزل طرائق اشتغالها وأنواع بنائها للأشكال، هي مغامرة حياة أخرى للإنسانية، تمتح من أبهاء التاريخ ومن تفاصيل اليومي والمحلي، وتستفيد من تجارب وصراعات الإنسان مع قوى الظلام وأعداء الديمقراطية وحملة شعارات التضليل والعشائر، وهي تتحارب،ولكنها وهي تمتح من ذلك، تنظر إليه كرمز، وكأسطورة حتى وإن كانت الأساطير معاصرة، أو لها وجودها الخاص في عصرنا"(**). بهذا المعنى، يرهن التازي سؤاله للكتابة بأفق تجربة إنسانية لا تعتني بالأدب إلا بوصفه شكلا من الأشكال الممكنة لجعل التخييل صيغة للإيهام بالواقع أي البحث عن الوجود: "وساعة تصبح الكتابة مشروعا للوجود. وشرطا أساسا لاستحضار لحظاته وتعثراته ويقينه وحيرته وربحه وخسرانه، ساعتها يحق للكاتب أن يقول: "أنا كاتب". ليس من السهل أن تكون الكتابة مشروعا للوجود. يعلم الكاتب- بالاقتناع والتجربة – أن الأمر عماده رحابة الخيال والثقافة والموهبة، وإقامة معنى للكتابة بين حدود المستحيل والمجهول، يؤكد محمد عز الدين التازي هذا بقوله: " إنني لا أجد تحديدات محددة، لمعنى أن أكتب، أو لما أكتب وهذا الوضع قد يبدو قلقا ومخاتلا وواعيا بذهاب نحو المستحيل، ولكن الذهاب في الكتابة هو أجمل ما في هذا الذهاب، لأن المصائر ليست أبدا إلا في قبضة المجهول". أتصور أن فهما من هذا القبيل للكتابة لن يتأتى لصاحبه إلا بعد خبرة خصبة في الحياة، ومطالعة عميقة لتجارب أدبية آتية من آفاق مختلفة، ولذلك، يحوز هذا الفهم –ونظيره- غير قليل من التماسك حين يعين على استخلاص بعض أساسيات الكتابة كما تمثلها التازي وبذر معناها في النصوص الروائية المشكلة لهذه الأعمال الكاملة، والتي تقع في ثلاثة أجزاء تناهز في مجموعها 1781 صفحة. يضم الجزء الأول الروايات التالية: "أبراج المدينة" – "رحيل البحر" – " المباءة" – "أيام الرماد"، ويحتوي الجزء الثاني على الروايات التالية: "فوق القبور تحت القمر" – "أيها الرائي" – "مهاوي الحلم" – "مغارات" – "ضحكة زرقاء" - "كائنات محتملة"، ويشتمل الجزء الثالث على النصوص الروائية الموالية: "خفق أجنحة" – "الخفافيش" – "دم الوعول" – "عيوشة امرأة الشمس والقمر". ويهتم التازي في هذه الروايات بإنشاء الكتابة وإدارتها حول تجريب أساليب في البناء ومجالات من الحكي قائمة على الاستبطانات الجوانية والرؤى الذهنية للأبطال والشخصيات، والعبور إلى مكامن اللاوعي، وقائمة كذلك على اعتماد تخييل مضاعف يفتح الحكاية الروائية على عوالم الغريب والعجيب والنكتة والحلم الملغز والسخرية الرمزية، ويضع القارئ في اهتماماته عبر تنويع منظورات السرد وتشغيل ضمير المخاطب، واللعب بأبنية لغوية مشذبة يمكنها أن تكشف جزءا من حقائق الأشياء والناس والعلاقات. وعليه، نحس ونحن نقرأ هذه الأعمال الروائية الكاملة لمحمد عز الدين التازي، أننا أمام عمل إبداعي محكم البناء، شيق الحكاية، عميق التأمل في معنى الكتابة، في مغزاها ومرماها... الهوامش: (*) محمد عز الدين التازي: الأعمال الكاملة / الجزء الأول: 580 صفحة – الجزء الثاني: 589 صفحة – الجزء الثالث: 612 صفحة. منشورات وزارة الثقافة، سحب مطبعة المناهل 2005-03-14 (**) العبارات والفقرات الموضوعة بين مزدوجتين هي آراء لمحمد عز الدين التازي انتقيتها من شهادته المضمنة في كتاب: "الكتابة والتخييل في أعمال محمد عز الدين التازي" منشورات نادي الكتاب، كلية الآداب بتطوان. ط 1 نونبر 1995.