![]() |
| شهادات | المؤلفات | بطاقة تعريف |
| حوارات | دراسات عن الأعمال | المذكرات |
|
قصة قصيرة
بائع الفواكه
قصتي
ليست قصيرة، لطولها لا يمكن أن أجعلها قصيرة إلا عندما سوف أُقَصِّرُ في
الحديث. أحكيها لكم في بضع صفحات كتبتها على الورق الذي أَلُفُّ فيه
الفواكه للمشترين، بخط غير مقروء، وأنا نفسي لا أقرأه، نظرا لعدم الدقة في
كتابة الحروف، يعود إلى رعاش يصيب يدي وأنا أكتب.
+++
+++
+++
أبدأ القصة من الرجل الذي أجده في انتظاري في
(مقهى السعداء)، وهو رجل أعور. سامحني الله على ألا أرى من صفاته غير هذه
الصفة. أمي الله يرحمها كانت تقول لي وأنا صغير الشيطان يا ولدي عندما يظهر
للناس يرونه فردي من عين، وعينه العوراء هي العين اليسرى. يا ولدي إن
التقيت برجل عينه اليسرى عوراء فلا تَبِعْ معه ولا تَشْتَرِ، لا تَسِرْ معه
في الطريق ولا تدخل معه في الكلام، وانتظر حتى يظهر لك إن كان هو الشيطان
أم أنه بشر مثلنا.
كأنه ينتظرني. أجده دوما في انتظاري. لا أعرف لماذا يسبقني
إلى نفس المكان وكأن الوقت وقته لا وقتي أنا. أُقْبِلُ على المقهى فأجده
جالسا على الرصيف، ينظر إلى يساره بعينه اليسرى نحو مكان جلوسي الفارغ،
وحينما أستقر على الكرسي أجفف عرقا تصبب من جبيني بخرقة أخرجها من جيبي ثم
أشعل سيجارة في انتظار أن يأتي النادل. تدخين السجائر عادة سيئة أعرف أن
الفقهاء لا يحرمونها ولكنهم يَنْهَوْنَ عنها، وفي وقت مضى كنت أدخن الحشيش
ولكن الله عفا عني. لكل إنسان عاداته السيئة، والرَّاسْ اللِّي ما يْدُورْ
كُدْيَة.
من جانب واحد أراه يتطلع إلي بعينه اليسرى التي لا ترى. لا
أعرف هل يراني أم أنه لا يراني، وإن كان يراني فكيف يراني بعين لا ترى. عين
اِبْيَضَّت وما عاد فيها من سواد. لعلها عين معدنية، تدور في المحجر
ودورانها لا يتم إلا في فراغ أَهْوَلَ من الفراغ الذي ينفتح عليه رصيف
المقهى، أعنى فراغ الشارع، وفراغ المدينة. وأنا ما كنت أتشاءم من انتظاره
لي في المقهى، في مواعيد ليست مواعيدي، ولا أعيب عليه أن تكون عينه اليسرى
العوراء متجهة نحو جهة جلوسي، فالله هو الخالق، لكني كنت أستغرب لجاذبية
ظلت تجذبني نحو (مقهى السُّعَدَاء)، وهذا هو اسمه في الحقيقة، وحيث لا تبدو
السعادة على رواده، الواقع في (شارع الوحدة)، وهذا هو اسم الشارع، الذي لا
يعرف أحد قصد من سموه بهذا الاسم بالوحدة، والتي تعني تفرقة غير مرغوب
فيها. جاذبية جعلتني أَنْقَادُ نحو هذا المقهى في أوقات متباينة عندما أحس
بالضجر وأحب أن أشرب كأس شاي بالنعناع، وأن أرى الناس من غير أن أختلط بهم،
فكفاني ما لاقيته منهم. لم يعد لي أصحاب أجالسهم في المقهى من أيام تلك
الواقعة التي وقعت لي بسببهم. كلهم يجلسون في داخل المقهى يلعبون النرد أو
الضامة وأنا حَرَّمْتُ على نفسي الجلوس معهم في داخل المقهى ومشاركتهم في
اللعب منذ أن باعوني للبوليس بتهمة كاذبة هي التي جعلتني أبقى في مركز
الشرطة لعدة أيام عُذِّبْتُ فيها أشد العذاب.
+++
+++
+++
حادثة تفجير الإرهابي لنفسه في أحد الشوارع مشهودة، رآها
الناس على شاشة التلفزيون وكتبت عنها الصحف، وأنا لا أعرف الإرهابي، ولا
الأمير، ولا الجماعة. جاء يوم اعتقلوني فيه من محل بيع الفواكه، ولحيتي
كانت هي ما جَرَّ علي الكثير من الويلات. قلت لهم أنا لا أعرف من الدين غير
الحلال والحرام. سألوني ما هو الحلال وما هو الحرام. قلت جميع المسلمين
يعرفون ما هو الحلال وما هو الحرام. السرقة حرام، والزنا حرام، وشرب الخمر
وأكل لحم الخنزير حرام، والكذب حرام، وأكل أموال الناس بالباطل حرام،
والحلال هو ما أحله الله في شريعته. أنا آكل من عرق جبيني ولا أَغَشُّ في
الميزان. أَحَلَّ الله البيع وحَرَّمَ الربا.
أصلي الأوقات في (مسجد الأمة) مع المسلمين ولا
أتدخل في النقاشات التي يدخل فيها بعض المصلين بعد قضاء الصلاة حول التحليل
والتحريم وحول ما يذهب إليه بعضهم من تكفير الآخرين. سألوني عن أسماء
أولائك المصلين الذين يُكَفِّرُونَ غيرهم. ذكرت لهم بعض الأسماء. هم أصحاب
لِحًى؟ أجبت بالإيجاب. سألوني عن لحيتي فعرفت أنها هي السبب في كل ما
يَحْدُثُ لي. تحدث أحدهم عن المساجد التي أصبحت أوكارا لإرهابيين ينتمون
إلى السلفية الجهادية، وسألني عما أعرف عن هذا التنظيم. قلت لا أعرف شيئا.
سألني آخر عن موقفي من الدولة ومن الملك والمؤسسات الدستورية، فقلت الدولة
هي حامية النظام في حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم، والملك هو سيدنا، هو
أمير المؤمنين، الله يطول فعمره ويحفظ له الأمير مولاي الحسن والأميرة لالة
خديجة، راه ما مقصرش من جهده باش تترقى هاد البلاد، والمؤسسات الدستورية لا
تصلح إلا بصلاح المواطنين الذين يدلون بأصواتهم في الانتخابات. قالوا لي
أنت ثعلب، تتنكر للأفكار الجهادية التي تسعى إلى قلب نظام الحكم بواسطة ثلة
من الانتحاريين، من بينهم صاحبك الذي فجر نفسه. قلت لهم ليس صاحبي. سألوني
عما أعرفه عن نية الانتحاريين في تفجير القناة الثانية الدوزيم ومقر جريدة
الأحداث المغربية وتزوير العملة والسطو على بعض البنوك، فقلت لا أعرف شيئا
عن هذه الأمور. عذبوني أشد العذاب.
+++
+++
+++
يتلذذ بتدخين سيجارته وهو ينفث دخانها في الهواء. ينظر إلي
بعينه العوراء. كيف أعرف أهو الشيطان كما كانت قد قالت لي أمي إن الشيطان
يظهر للناس فردي من عين؟ وأنتم قولوا لي أهو الشيطان، ولماذا يأتي الشيطان
إلي وأنا جالس في المقهى ليجلس بقربي أو لأجده وقبل سبقني للجلوس؟ ما الذي
يريد مني؟ قد يكون رجلا ابتلاه الله بعاهته وحرام علي أن أَعِيبَ عليه ما
ابتلاه الله به في عينه اليسرى. وهو لم يُكَلِّمني إلا مرة واحدة سألني
فيها عن الساعة فنظرت إلى ساعتي وأخبرته بالوقت. كان صوته كأصوات البشر،
ويقال إن الشيطان يظهر للناس على صورتهم ويتكلم بأصوات البشر، ويبيع معهم
ويشتري، ويَخْتَلِطُ بهم من أجل أن يُخْرِجَهُمْ عن الطريق المستقيم. وما
ذنب الرجل حتى أَشُكَّ في أمره كل هذا الشك، وهو لم يُؤْذِينِي بشيء؟ ما
يَبْعَثُ على الشك هو أنه في يوم جاء إلى المقهى ومعه ولد صغير، أجلسه معه
في نفس مكان جلوسه، وطلب من جعفر أن يأتيه بكأس شاي وللولد بمونادا، فانتا
برتقال. تطلعت للولد فكان شبيها به، هو ولده من غير شك، وكانت عين الولد
اليسرى عوراء. ثم جاء يوم آخر رأيته فيه وهو يجلس في المقهى مع عجوز يرتدي
جلبابا صوفيا وعلى
رأسه عمامة، حسبته والده، وكانت عين العجوز اليسرى عوراء.
+++
+++
+++
قالوا لي حدثنا عن حياتك، فبدأت أحكي قصة حياتي
وقد فُكَّتْ عُقْدَةُ لساني. ربما زال عني الخوف، حتى نسيتهم وهم يسمعون
وآلة التسجيل تُسَجِّل، وربما وجدت في تلك اللحظة صدقا مع نفسي وأنا أبدأ
من طفولتي وحينا والبيت الذي نشأت فيه يتيم الأب، وأمي التي كانت تبيع
الخضر على الرصيف، والفشل في الدراسة، وتعاطي الحشيش والمخدرات، لا كبيع
وشراء، وإنما كاستعمال من أجل الدوخة التي أنسى من خلالها حزني وغربتي.
سألوني عن رأس المال الذي فتحت به محل بيع الفواكه الذي اعتقلوني منه. شرحت
لهم كيف بدأت بمال صغير قدمه لي خالي كسلفة. ثم سألوني عن عقيصة. يعرفونها؟
رفضت الإدلاء بأية معلومات عن علاقتي بها. قالوا نحن نذكرك بها حتى وأنت لم
تنساها، عقيصة! ليس هذا هو اسمها الحقيقي، وإنما اسمها هو نادية الرميحي،
تحولت من شابة لعوب ترتاد المراقص والحانات الليلية إلى مرتدية للباس طويل
أسود، والخمار الأسود يغطي وجهها، والقفاز الأسود في يديها. انهمرت الدموع
من عيني. تركوني مع لحظة بكائي. طلبوا مني أن أستريح في البكاء. لم أسترح.
توترت أعصابي. قالوا أنت من سماها عقيصة، هل هو اسمها الحركي في الجماعة؟
واجهتني شراسة نظراتهم. مسحت دموعي بظاهر يدي. حتى قلبي حفروا فيه ودَقُّوا
أوتادهم.
بدأت أحكي قصتي مع نادية، وهي قصة حبي الضائع. في أحدى
الحانات التقيت بها صدفة. سحرتني عيناها. بدت لي فتاة غريرة في العشرين، من
أول يوم ضاجعتها في أحد الفنادق الذي دَلَّتْنِي عليه. أحببتها. قلت
أتزوجها وأنسى وأُنْسِيهَا ما كانت فيه، وآخذها إلى طريق الحلال. عرضت
عليها الزواج فمانعت وقالت أنا سوف أتزوج زواجا آخر، وسأسير في طريق ليس هو
طريقنا معا، ويمكن، فإذا سرتُ معها في ذلك الطريق فقد يحدث أن نتزوج. بدت
وهي تُخْفِي علي سِرًّا من أسرار حياتها، ولم تثِقْ بي لتخبرني بذلك الطريق
الذي سوف تذهب فيه. بعد شهور خرجت من باحة (مسجد الأمة)، ولحظت امرأة
تَلْتَحِفُ السواد، وجها مغطى بنقاب أسود ينسدل من رأسها ليغطي وجهها،
وقفازان أسودان في يديها. لاحقتني. نادتني باسمي. توقفت أنظر إليها. لم تمد
لي يدها لأصافحها. قالت أنا نادية. دعوتها للغذاء معي في بيتي فدعتني
للغذاء مع أناس طيبين يحبون أن يتحدثوا معي. سألتها من هم؟ لم تخبرني فلم
أذهب.
قال أحدهم
هذا هو الخيط الضائع، وسألني لماذا لم تذهب. قلت لأن صورتها قد تَغَيَّرَت
من زَيْفٍ إلى زَيْفٍ آخر. بدأوا البحث معي في ذلك الخيط الضائع.
عندما سألوني عن الانتحاري الذي فَجَّرَ نفسه قلت لا أعرف
عنه شيئا. سألوني عن والدي الذي يقول سكان الحي إنه قد اختفى عن الأنظار
وأنا في بطن أمي، وهل هو والدي الحقيقي أم أن أمي كانت تلتقي برجال كثيرين
كلهم، أو أحدهم، هو والدي. أصابتني الدهشة. احمرت عيناي من الغضب. هل أضرب؟
إن ضربت أحدهم فسوف يعودون بي إلى مكان التعذيب. ما علاقة والدي بما يبحثون
فيه؟ إهانة أرادوا أن يوجهها لي لن أتقبلها منهم أبدا. رددت عليهم بأنني لا
أعرف شيئا عن آبائهم. صفعني أحدهم. أردت أن أَرُدَّ له الصفعة فلم أستطع.
حرام عليهم أن يمسوا شرف نسبي. استباحوني. بعد أن مزقوا جسدي ها هم يخربون
روحي. والدي كان قد غاب بعد أن تزوج أمي بعقد زواج وبعد أن حبلت منه بي،
وعقد الزواج أطلعتني عليه، وقصة اختفائه منذ أن كانت أمي حبلى بي في الشهر
السابع كما قالت، لا أعرف عنها شيئا. يكفيني أنني لم أر والدي ولم أعش معه
ولم أتمتع في طفولتي بحنانه ورعايته. أمي تكفلت بي، وأنا كنت لا أحب أن
أسألها عنه، وكنت لا أحب أن أنظر إلى صورته المعلقة على جدار في البيت، بل
كنت أحب أن أتخيل صوره الأخرى، ومتاهة صوره لا تصل بي إلى صورة حقيقية
للأب. حالما خرجت من الاعتقال وعدت إلى البيت نزعت صورته من الحائط ورميت
بها على الأرض. تهشم زجاجها وإطارها. مزقتها وأمي تنظر حائرة إلى ما أفعل.
+++
+++
+++
ألح علي بول مباغت وأحسست برغبة في الدخول إلى المرحاض.
المرحاض يوجد في داخل المقهى. صبرت ومثانتي تكاد تنفجر، ثم نهضت من مكاني
ودخلت الى داخل المقهى. كان العُور الثلاثة ينظرون إلي بأعينهم اليمنى التي
ليست عوراء، ويتابعون خطواتي. قبل أن أصل إلى المرحاض ألقيت نظرة على من
كانوا أصحابي. ذهلت لما رأيت، فقد رأيتهم عُورًا، وعينهم اليسرى هي
العوراء.
في المرحاض تبولت دما.
+++
+++
++++
قصتي، سواء طالت أم قصرت، فهي قصة بائع فواكه، يأكل من عرق
جبينه، ويصلي لله، لم يسرق المال العمومي، ولم يكذب على الشعب، لا شأن له
بالسياسة، فجراحه تكفي.
عندما خرجت من المرحاض وأنا أفكر في الدم الذي
تَبَوَّلْتُه، ذهبت إلى طبيب كشف عني فرأى الركلات على جانبي، والتي أصابت
كِلْيَتِي. سألني عن الحادث فأجبت بأنني تخاصمت مع أحد فركلني في مكان تلك
الكلية. ها أنا أكذب على نفسي حتى لا أقول إن ما وقع لي هو جزء من تعذيب
البوليس. أعطاني الطبيب أدوية ونصحني بأن أحافظ على جسدي وألا أتورط في
خصومات يُؤْذِي من خلالها من أتخاصم معهم جسدي. عدت إلى البيت فوجدت أمي
تُلْصِقً مُزَقَ صورة والدي بلصق وقالت لي حرام عليك، لم تبق لنا غير
صورته، فلماذا مزقتها؟ استلقيت على فراشي، ونمت، فحلمت بالرجال العور، وكان
من بينهم أولائك الذين عذبوني. |